في اليوم الخمسين حلّ الرّوح القدس على التّلاميذ وتأسّست الكنيسة. ولفهم هذا العيد بشكل أعمق، يغوص خادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض في لاهوت عيد العنصرة، ويشرح:
“بعد صعود المسيح إلى السّماء، كما أكّد، في اليوم الخمسين بعد قيامته واليوم العاشر بعد صعوده، أرسل الرّوح القدس المنبثق من الآب.
لقد أعلن المسيح نفسه لتلاميذه مسبقًا عن إرسال الرّوح القدس: «وأنا سأسأل الآب فيعطيكم مُعزّيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحقّ الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنّه لا يراه ولا يعرفه، أمّا أنتم فتعرفونه لأنّه يمكث معكم وسيكون فيكم» (يوحنا 14: 16-17). ثم قال مباشرة بعد ذلك: «وأما المُعزّي، الرّوح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يُعلّمكم كلّ شيء، ويُذكّركم بكل ما قلته لكم» (يوحنا 14: 26). وقال لاحقًا: «من مصلحتكم أن أنطلق، لأنّه إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعزّي، ولكن إن انطلقت أرسله إليكم» (يوحنا 16: 7).
في يوم الخمسين، جعل الرّوح القدس التّلاميذ أعضاءً في جسد المسيح المتجسّد. فبينما في حادثة التّجلّي، انبعث النّور من داخل التّلاميذ الثّلاثة، من خلال التّمجيد، لكن جسد المسيح كان خارجهم، في يوم الخمسين يتّحد التّلاميذ مع المسيح. يصبحون أعضاءً في الجسد المتجسّد، وبصفتهم أعضاءً في جسد المسيح، يشاركون في النّور غير المخلوق.
لماذا كان الصّعود ونزول الرّوح القدس ضروريّين؟ ما الغاية من ذلك؟ لماذا نقول إنّ الكنيسة تأسّست يوم الخمسين؟ لم تُؤسس الكنيسة يوم الخمسين، بل كانت قائمة منذ أن دعا الله إبراهيم والآباء والأنبياء. الكنيسة قائمة منذ ذلك الحين. الكنيسة مذكورة في العهد القديم، وكانت موجودة في الهاوية. لكن هنا تتشكّل الكنيسة: تُؤسس الكنيسة بمعنى أنّها من الآن فصاعدًا تُؤسس كجسد المسيح.
هذه نقطة مهمّة لأنها تُظهر أنّ عيد العنصرة هو ميلاد الكنيسة كجسد المسيح، وأنّ كلّ من يتّحد مع جسد المسيح يتغلّب على الموت.
ما هو عيد العنصرة؟ إنّه إعلان كلّ الحقّ. في تلك اللّحظة، تصبح الكنيسة جسد المسيح، ولهذا السّبب نحتفل في يوم العنصرة أيضًا بميلاد الكنيسة التي قامت في المسيح.
هذه هي الكنيسة، حيث كلّ مؤمن هيكل؛ ليس فقط هيكلًا للرّوح القدس، بل أيضًا جسد المسيح، إذ يسكن فيه المسيح بكامله. هذه هي الطّريقة الجديدة التي تتجلّى بها طبيعة المسيح البشريّة في العالم. ولذلك يُعتبر عيد العنصرة أيضًا اليوم الذي تأسّست فيه الكنيسة. كلّ من يبلغ التّمجيد يشارك في هذه التّجربة الرّوحيّة.
يُطلق على عيد العنصرة اسم “العيد الأخير” لأنّه المرحلة الأخيرة من تجسّد المسيح. ويحدث تغيير عظيم الآن، لأنّ المُمجَّدين يتّحدون في الروح القدس مع المسيح الإله المتجسّد.
كانت المرحلة الأخيرة والفعّالة هي عيد العنصرة. هناك حدث التّغيير العظيم. فبينما كان الرّوح القدس يسكن في الأنبياء، إذ كان الأنبياء يتمتّعون بروح الله، والصّلاة الرّوحيّة، والتّمجيد، فمنذ عيد العنصرة فصاعدًا، أصبح سكنى الرّوح القدس في شخص مُلهم إلهيًّا مصحوبًا بطبيعة المسيح البشريّة أيضًا. ولهذا السّبب أصبحت الكنيسة الآن جسد المسيح. بعبارة أخرى، أصبحت الكنيسة جسد المسيح في يوم العنصرة. والمسيح، كإنسان، يسكن الآن في الإنسان.
هذا يعني مشاركة دائمة من الآن فصاعدًا في مجد الله. لدينا الآن تمجيد دائم، لا تمجيد مؤقّت، كما كان حال الأنبياء الذين بلغوا التّمجيد، حين كان المجد زائلًا، وماتوا. أمّا الآن، فالمؤلّهون لا يموتون.
إنّ سرّ حضور الله في العالم، كما وصفه الآباء، هو أنّ قوى الله غير المخلوقة موزّعة بشكل غير قابل للتّجزئة بين الكائنات المنقسمة. فهي تُوزّع على كلّ واحد، دون أن تُقسّم بين كيانات منفصلة. وهذا يعني أنّها تُوزّع كما يُوزّع الخبز المقدّس في القربان المقدّس. فنقول: “يُكسر ولا يُقسّم، يُؤكل ولا يُستهلك”، وهكذا.
فالله بكامل ذاته حاضر في كلّ مكان، في كلّ شيء، دون أن يكون منقسمًا، وهو منقسم دون أن يكون منقسمًا. هذا هو السّرّ. وقد بدأ هذا النّمط من حضور الله في العالم، ولاسيّما في المُمجَّدين، لأوّل مرّة مع الصّعود وحلول الرّوح القدس.
ولهذا السّبب، عندما نتناول القربان المقدّس في سرّ الإفخارستيا الإلهيّة، لا يتناول أحدنا الإصبع، وآخر القدم، وثالث الأنف والأذن، بل يتناول كلّ فرد في سرّ الإفخارستيّا الإلهيّة المسيح بكامله في داخله.
هذا هو سرّ عيد العنصرة، ولذا يُعتبر عيد العنصرة ميلاد الكنيسة. إنّها كنيسة العنصرة التي وُلدت، مع أنّ الكنيسة كانت موجودة في العهد القديم. الكنيسة، بمعناها الأكمل، هي الكنيسة غير المخلوقة، مجد الله، المسكن غير المخلوق حيث يسكن الله وحيث ينبغي لنا أن نسكن أيضًا. هذا المسكن يتكاثر، لذا توجد مساكن كثيرة، كما يقول المسيح في العهد الجديد. هناك مسكن واحد، ومع ذلك مساكن كثيرة. لماذا؟ لأنّه مُقسّم بشكل لا ينفصم بين الأفراد. هذا هو سرّ عيد العنصرة.
إنّ “الحقيقة الكاملة” التي كُشِفَت للرّسل يوم الخمسين هي حقيقة الكنيسة بوصفها جسد المسيح: أنّ التّلاميذ سيصبحون أعضاءً في هذا الجسد القائم، وأنّهم في الكنيسة سيعرفون أسرار مجد الله وسلطانه (فاسيليا) في جسد المسيح. في يوم الخمسين، عرفوا الحقيقة الكاملة. ويترتّب على ذلك أنّ الحقيقة الكاملة لا وجود لها خارج الكنيسة. فالكنيسة تمتلك الحقيقة، لأنّها جسد المسيح وجماعة تمجيده.
في التّراث الآبائيّ، تحقّقت هذه الكلمات: «سيُرشدكم إلى الحقّ كلّه»، في يوم الخمسين، ففي ذلك اليوم انكشف «الحقّ كلّه». وهذا يعني أنّ المسيح نفسه (قبل قيامته) لم يكشف كلّ الحقّ للرّسل. لماذا؟ لأنّهم لم يكونوا قادرين على استيعاب كلّ الحقّ، إذ لم يكونوا مستعدّين له بما فيه الكفاية.
هذه الحقيقة، التي كشفها الرّوح القدس للتّلاميذ يوم الخمسين، هي أنّ الكنيسة هي جسد المسيح، وأنّ التّلاميذ سيصبحون أعضاءً في جسد المسيح. لا توجد حقيقة أخرى تتجاوز هذه الحقيقة.
هذا هو مفتاح التّفسير الآبائيّ، أنّه سيرسل مُعزّيًا آخر، يُرشدكم إلى الحقّ كلّه. ما هو هذا الحقّ كلّه؟ في العهد القديم، نجد المسيح غير المتجسّد الذي كُشِف عنه. بعد ذلك، نجد المسيح المتجسّد، الذي كُشِف عنه، والذي يُعلن عن نفسه من خلال كلمات بشريّة، ولكنّه يُعلن أيضًا من خلال مجده لبعض الرّسل، ولبعض التّلاميذ. ثم نأتي إلى القيامة. وبعد القيامة، يُعلن الآن في مجده لتلاميذه، وللنّساء، وهكذا. لدينا كلّ هذه الظّهورات للمسيح بعد القيامة. لاحقًا، لدينا الصّعود، ثم لدينا عيد العنصرة.
لذا، فإنّ كلّ من ينتقل اليوم من مرحلة التّطهير إلى مرحلة الاستنارة ليس مجرّد هيكل للرّوح القدس، كما كان الحال مع الأنبياء في العهد القديم، بل هو ليس كنيسة فحسب بصفتها هيكل الله، بل هو أيضًا كنيسة بصفتها مسكن طبيعة المسيح البشريّة. فكلّ مؤمن في حالة الاستنارة يحمل المسيح بكامله في داخله.
ولهذا السّبب، نجد انعكاسًا لهذه الحقيقة في سرّ القربان المقدّس، حيث يتحوّل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه، لكنّ المسيح بكامله حاضر في كلّ ذرّة من الخبز والخمر المقدّسين. فالمتناول لا يتلقّى جزءًا من المسيح عند التّناول، بل يتلقّى المسيح بكامله في داخله.
وهكذا تحققت عبارة “سيرشدكم إلى الحقّ كلّه” في يوم الخمسين. ولذلك، في تفسير الآباء، تحقّقت جميع الإصحاحات 15 و16 و17 من إنجيل يوحنّا في يوم الخمسين. هذا هو التّفسير الآبائيّ لعيد الخمسين.”



