خلال قدّاس احتفاليّ، كرّس بطريرك القدس للّاتين البطريرك بييرباتيستا بيتسابالا كنيسة دير القدّيسة كلارا- القدس لقلب يسوع الأقدس، دشّن مذبحها.
وللمناسبة، كانت لبيتسابالا عظة شدّد فيها على أهمّيّة هذا التّكريس، وقال بحسب إعلام البطريركيّة:
“اليوم هو يوم نعمة وذكرى. نحن في أورشليم، المدينة الّتي اختارها الرّبّ مسكنًا له، المدينة الّتي فيها قدّم الكلمة ذاته على الصّليب وقام من بين الأموات لخلاص العالم. وفي هذه الأرض المقدّسة، وعلى بُعد خطوات قليلة من الجلجلة، حيث طُعن جنب المسيح بالحربة، يُتاح لنا أن نعيش حدثًا لا يخصّ جماعةً أو عائلةً رهبانيّةً فحسب، بل الكنيسة بأسرها. ففي هذا الموضع عينه، حيث فاض من قلب المخلّص المطعون دمٌ وماء، نكرّس اليوم مبنى الكنيسة هذا لقلب يسوع الأقدس. وليس هذا الاختيار وليد الصّدفة، فهذا الدّير، القائم بين بيوت أورشليم، يقوم كعلامة على المحبّة القصوى؛ تلك المحبّة الّتي لا تدّخر شيئًا، والّتي تبذل ذاتها حتّى النّهاية.
إنّنا لا نبارك اليوم مجرّد مبنى جُدّد ترميمه، ولا نحتفل فحسب باكتمال عملٍ معماريّ أُعيد بناؤه وتجديده بالكامل. فالكنيسة اليوم تأخذ بيتًا شيّدته أيدي البشر وتسلّمه إلى الله إلى الأبد. وبعد قليل ستُمسح هذه الجدران، وهذه الأرجاء، وهذا المذبح بالميرون المقدّس، ويتعطّر المكان بالبخّور، ويستنير بنور المسيح القائم من بين الأموات. إنّها علامات تذكّرنا بأنّ هذه الحجارة قد أُفرزت من الاستعمال العاديّ لتغدو علامةً منظورة لحضور الله في وسط شعبه. غير أنّ ليتورجيا الكلمة تكشف لنا أن المعنى الأعمق لهذا الطّقس لا يتعلّق أوّلًا بالحجارة، بل بالأشخاص.
لقد خاطبنا القدّيس بولس بكلمات واضحة وقويّة: “أنتم بناءُ الله” (1 كور 3: 9)، ثمّ يقول أيضًا: “أما تعلمون أنّكم هيكل الله وأنّ روح الله يسكن فيكم؟” (1 كور 3: 16). هذه هي الحقيقة الأولى الّتي ينبغي أن نحفظها اليوم في قلوبنا. فالكنيسة الّتي نكرّسها اليوم جميلة، وجدرانها متينة، ومذبحها كريم وثمين. لكن كلّ ذلك يفقد معناه إن لم يوجد الهيكل الحيّ، أيّ شعب الله. فقبل الحجارة هناك الإيمان، وقبل البناء هناك الجماعة، وقبل المذبح الحجريّ هناك الذّبيحة الحيّة الّتي يقدّمها الرّجال والنّساء الّذين يهبون حياتهم لله.
ومن هنا، فإنّ مسح الجدران والمذبح بالميرون يذكّرنا بالمسحة الّتي نالها كلّ واحد منّا في سرّيّ المعموديّة والتّثبيت. وكما يُكرَّس هذا الهيكل اليوم، كذلك كُرِّس كلّ مسيحيّ للرّبّ. وكما صار هذا المكان ملكًا لله، كذلك حياتنا هي أيضًا ملك له. وكما ستُختم هذه الجدران بالميرون، كذلك يحمل قلب كلّ واحد منّا، إلى الأبد، ختم الرّوح القدس الّذي لا يُمحى. إنّ المعجزة الحقيقيّة في هذا الاحتفال ليست أن يصبح هذا المبنى كنيسة مقدّسة، بل أنّ الله يواصل أن يجعل منّا نحن مسكنه.
في الإنجيل الّذي استمعنا إليه، سمعنا رواية تطهير الهيكل. يدخل يسوع إلى بيت أبيه بحزم، ويطرد كلّ ما يشوّه قدسيّته. قد يبدو تصرّفه قاسيًا، لكنّه ينبع من المحبّة، لأنّ الغيرة على بيت الله كانت تملأ قلبه. لكن الرّبّ لا يقف عند حدود الهيكل المبنيّ من الحجارة، بل يتجاوزه ليقول كلماتٍ بدت آنذاك غامضة: “انقضوا هذا الهيكل، وفي ثلاثة أيّام أقيم” (يو 2: 19). ويوضح الإنجيليّ قائلًا: “وأمّا هو فكان يعني هيكل جسده” (يو 2: 21).
فالمسيح هو الهيكل الحقيقيّ. فيه يلتقي الله بالإنسان اللّقاء الكامل والنّهائيّ، وفيه تتعانق السّماء والأرض، وفيه تجد كلّ ذبيحة كمالها وتمامها. ونحن نعلم أنّ جسد المسيح هو جسدٌ يحمل قلبًا مطعونًا. فالإنجيل يذكر أنّ “واحدًا من الجنود طعن جنبه بحربة، فللوقت خرج دمٌ وماء” (يو 19: 34). إنّ ذلك القلب المفتوح هو مولد الإنسانيّة الجديدة، والمقدس الّذي تنبع منه حياة الكنيسة.
ولهذا، فإنّ تدشين المذبح هو قلب هذا الاحتفال اللّيتورجيّ. فالمذبح ليس مجرّد عنصر من عناصر الكنيسة أو قطعة من أثاثها المقدّس، بل هو المسيح نفسه. إنّه قلبه المطعون، الينبوع الّذي لا ينضب للمحبّة والرّحمة. وهو مائدة الذّبيحة والشّركة. وعلى هذا المذبح سيُحتفل بالإفخارستيّا، تذكار فصح الرّبّ. وهنا تنتصر الحياة على الموت، وهنا يواصل المسيح المصلوب والقائم من بين الأموات أن يهب ذاته لشعبه.
لقد قدّمت لنا نبوءة حزقيال رؤيةً لسيل ماء يخرج من الهيكل. يبدأ جدولًا صغيرًا، ثمّ يصير نهرًا، ثمّ يغدو بحرًا يفيض بالحياة. وكلّما مرّ هذا الماء، عاد كلّ شيء إلى الحياة. فالأرض القاحلة تصبح خصبة، والمياه الميتة تُشفى، وكلّ خليقة تستعيد حياتها. وقد رأى آباء الكنيسة في هذه النّبوءة صورةً للمسيح وللأسرار المقدّسة الّتي تنبع من جنبه المطعون.
إنّ ذلك النّهر هو صورة لقلب المخلّص المفتوح على الجلجلة، الّذي سال منه الدّم والماء، أيّ الإفخارستيّا والمعموديّة، السّرّان اللّذان لا يزالان يفيضان بلا انقطاع من قلب المسيح، واللّذان سيستمرّ الاحتفال بهما واستقاؤهما من هذا المذبح. وقد رأينا هذا الماء اليوم في رتبة النّضح، إذ أعادنا إلى معموديّتنا، وذكّرنا بأنّنا غُمرنا في موت المسيح وقيامته.
غير أنّ هذه النّبوءة تتحدّث أيضًا عن رسالة هذا الدّير. فمن هذا المكان المكرّس لقلب يسوع الأقدس ينبغي أن يتدفّق نهرٌ خفيّ من النّعمة. لا من خلال الأعمال الظّاهرة العظيمة، ولا من خلال الضّجيج، ولا عبر مظاهر القوّة، بل بالصّلاة، والسّجود، والحياة المستترة مع المسيح في الله. وكما أنّ نهر حزقيال كان يحمل الحياة إلى أماكن لا يراه فيها أحد، كذلك الحياة التّأمّليّة تُثمر حيث لا يلاحظها النّاس، وتصل إلى قلوب ربّما لن تلتقي بها أبدًا. إنّ محبّة الله، الّتي “أفيضت في قلوبنا بالرّوح القدس المعطى لنا” (راجع رو 5: 5)، تجد في هذا الدّير انعكاسًا صامتًا، لكنّه بالغ القوّة، كالماء الّذي يواصل جريانه حتّى وإن لم يكن هناك من يراه.
أخواتي العزيزات الرّاهبات الكلاريسات، اليوم تُكرَّس هذه الكنيسة لقلب يسوع الأقدس، في الدّير الذي يحمل اسم القدّيسة كلارا. وليس في ذلك مجرّد تفصيل عابر. لقد أرادت القدّيسة كلارا أن تكون مرآةً تعكس نور المسيح، لا أكثر. فقيرةً مع المسيح الفقير، متواضعةً مع المسيح الوديع والمتواضع، ومسلِّمةً ذاتها بالكامل لعريسها الإلهيّ. لقد كانت حياتها مصباحًا لا ينطفئ أمام الرّبّ.
وأنتم تعلمن أنهّا لا تتوقّف عن دعوكتنّ إلى تثبيت أنظاركنّ على قلب عريسكنّ المطعون. ومن قلب يسوع تستطيعن أن تتعلّمن ما قاله المعلّم نفسه: “تعلّموا مني، فإنّي وديع ومتواضع القلب” (متّى 11: 29). الوداعة والتّواضع: ذلك هو الكنز الّذي تودعه بين أيديكن هذه الكنيسة المكرّسة لقلب يسوع الأقدس. وبعد قليل سنرى أنوار هذه الكنيسة تُضاء. فلتكن تلك الأنوار رمزًا لدعوتكنّ.
في أورشليم الّتي كثيرًا ما تعبرها التّوتّرات، وتثقلها الجراح والانقسامات، يدعوكنّ الرّبّ إلى أن تحفظن هنا نورًا لا ينبغي له أن ينطفئ أبدًا: نور السّجود، والأخوّة، والرّجاء. إنّ حياتكنّ في الدّير ليست انفصالًا عن العالم، بل هي تضعكم في قلب العالم، بل في قلب المسيح نفسه، ذاك الّذي أحبّ العالم حتّى المنتهى. وكما كان موسى على الجبل، ومريم عند أقدام الصّليب، وكلارا أمام القربان الأقدس، هكذا أُنتن أيضًا مدعوّات لأن تحملن أمام الله أفراح البشريّة كلّها وجراحها، وآلامها وآمالها.
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء،
بعد قليل سيُمسح المذبح بالميرون المقدّس، وسيرتفع البخّور نحو السّماء، وسيملأ النّور أرجاء هذه الكنيسة. وكلّها علامات تشير إلى حقيقة أعمق: أنّ الله قد اتّخذ مسكنًا له في وسط شعبه. واليوم ينضمّ الملائكة والقدّيسون إلى تسبيحنا، أمّا الذّخائر المقدّسة الموضوعة تحت هذا المذبح فتذكّرنا بأنّ القداسة ممكنة، وأنّ الكنيسة مبنيّة على شهادة أولئك الّذين بذلوا كلّ شيء من أجل المسيح.
فلنوكل هذه الكنيسة المكرّسة لقلب يسوع الأقدس، وهذا الدّير، إلى شفاعة الطّوباويّة مريم العذراء، والقدّيس فرنسيس، والقدّيسة كلارا.
ولنسأل الرّبّ أن يكون هذا البيت حقًّا ما تلتمسه اللّيتورجيا اليوم: بيتًا للخلاص والنّعمة، ومكانًا للصّلاة والسّلام، وعلامةً لأورشليم السّماويّة، وعربونًا للملكوت الآتي. وليختبر كلّ من يدخل هذا المزار المقدّس، لا جمال حجارة هذا البناء فحسب، بل أيضًا الحضور الحيّ لمحبّة الله، تلك المحبّة الّتي لا تزال تتدفّق من قلب المسيح لتفيض على كلّ خليقة.”



