ترأّس رئيس أساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للرّوم الملكيّين الكاثوليك المطران إبراهيم مخايل إبراهيم، القدّاس الإلهيّ لمناسبة عيد النّبيّ إيليّا، في كنيسة دير مار الياس الطّوق، بمشاركة رئيس الدّير الأب الياس الخوري، والأرشمندريت برنار توما، وحشد من المؤمنين الّذين توافدوا للاحتفال بهذه المناسبة الرّوحيّة.
وفي عظته، توقّف المطران إبراهيم عند شخصيّة النّبيّ إيليّا، مؤكّدًا أنّ عظمته لم تكمن في المعجزات الّتي صنعها، بل في سماحه لله بأن يعمل في حياته، مشيرًا إلى أنّ الكتاب المقدّس يقدّم إيليّا إنسانًا اختبر الضّعف والخوف والتّعب، كما اختبر قوّة الله وحضوره.
وممّا قال بحسب إعلام الأبرشيّة: “عندما نسمع اسم مار إلياس، يخطر في بالنا فورًا النّبيّ الّذي أنزل النّار من السّماء، وأغلق السّماء ثلاث سنوات، وهزم أنبياء البعل، وصعد إلى السّماء في مركبة ناريّة. فنراه عملاقًا روحيًّا بعيدًا عن حياتنا اليوميّة، ونقول في داخلنا: “هذا قدّيس لا يمكن أن أشبهه.”
لكن ربّما هذه هي أكبر مغالطة، لأنّ الكتاب المقدّس لا يريد أن يدهشنا بإيليّا بقدر ما يريد أن يكشف لنا حقيقة الإنسان الّذي يسمح لله أن يعمل فيه.”
وأضاف: “بعد أعظم انتصار حقّقه على جبل الكرمل، لم يذهب إيليّا ليحتفل، بل هرب. خاف. جلس تحت شجرة وقال لله: “يكفيني الآن يا ربّ، خذ نفسي.” يا لها من مفارقة! الرّجل الّذي لم تخفه مئات الأنبياء أخافته امرأة واحدة، والرّجل الّذي أنزل النّار من السّماء لم يعد قادرًا أن يشعل نار الرّجاء في قلبه.
وهنا يبدأ الدّرس الحقيقيّ. الله لم يوبّخه، ولم يقل له: “أين إيمانك؟” ولم يقل له: “أنت نبيّ عظيم، لا يحقّ لك أن تنهار.” بل أرسل إليه ملاكًا يحمل خبزًا وماءً. وكأنّ الله يقول لكلّ واحد منّا: قبل أن أعالج روحك، سأهتمّ بجسدك، وقبل أن أطلب منك الرّسالة، سأعيد إليك الحياة.”
وتابع: “كم من مرّة نظنّ أنّ القداسة تعني ألّا نتعب، وألّا نضعف، وألّا نشعر بالإحباط، بينما الكتاب المقدّس يقول لنا العكس تمامًا. حتّى الأنبياء ينهارون، وحتّى القدّيسون يمرّون بليالٍ مظلمة، وحتّى الّذين يكلّمون الله يشعرون أحيانًا أنّ الله صامت. لذلك لا تيأس إذا مررت بلحظات تعب أو شكّ أو خوف، لأنّ الله لا يبتعد عن الإنسان في ضعفه، بل يقترب منه أكثر.
ثمّ يقود الله إيليّا إلى جبل حوريب. تهبّ الرّيح العاصفة، وليس الله فيها. ويحدث الزّلزال، وليس الله فيه. وتنزل النّار، وليس الله فيها. ثمّ يأتي صوت نسيم لطيف، وهناك يكتشف إيليّا حضور الله.
يا لها من رسالة عميقة! إيليّا الّذي عرف الله في نار الكرمل، يكتشفه الآن في همسة هادئة. ونحن أيضًا كثيرًا ما نبحث عن الله في الأحداث الاستثنائيّة، وفي المعجزات المدهشة، وفي الضّجيج، وفي النّجاحات الكبيرة، بينما الله يمرّ غالبًا في التّفاصيل الصّغيرة: في كلمة تشجيع، في ابتسامة صادقة، في يد تمتدّ لمساعدة محتاج، في مغفرة صعبة، وفي صلاة هادئة لا يسمعها إلّا الله.”
وأردف: “أظنّ أنّ أخطر عبادة في عصرنا ليست عبادة الأصنام الحجريّة، بل عبادة الضّجيج. لقد أصبحنا نخاف من الصّمت. الهاتف لا يفارق أيدينا، والأخبار لا تتوقّف، والشّاشات لا تنام، وحتّى عندما نقف للصّلاة يبقى عقلنا مشغولًا بكلّ شيء إلّا بالله. لذلك لم نعد نسمع همسة الله، ليس لأنّه توقّف عن الكلام، بل لأنّنا توقّفنا عن الإصغاء.
إنّ إيليّا لم يصبح عظيمًا لأنّه أنزل النّار من السّماء، بل لأنّه عندما سمع النّسيم اللّطيف غطى وجهه بخشوع. فالإنسان المتواضع هو الّذي يدرك أنّ الله أعظم من كلّ تصوّراته، وأنّ حضوره لا يحتاج إلى استعراض القوّة، بل إلى قلب يعرف كيف يصغي.”
وتابع: “مار إلياس لم يترك لنا كتابًا، ولم يؤسّس مدرسة فلسفيّة، ولم يبنِ إمبراطوريّة، لكنّه ترك لنا أعظم شهادة يمكن أن يتركها إنسان، وهي أنّ الله وحده يستحقّ أن يكون في المركز الأوّل. وعندما يحتلّ الله المركز الأوّل في حياة الإنسان، يعود كلّ شيء آخر إلى مكانه الصّحيح.
اليوم لا يحتاج الله إلى أنبياء ينزلون النّار من السّماء، لأنّ عالمنا امتلأ بالنّيران: نار الحروب، ونار الحقد، ونار الانقسامات، ونار الأنانيّة. ما يحتاجه العالم هو رجال ونساء يحملون نسيم الله، أشخاصًا يدخلون إلى بيت مضطرب فيصنعون سلامًا، وإلى جماعة منقسمة فيزرعون الوحدة، وإلى قلب يائس فيوقظون فيه الرّجاء.”
وإختتم المطران إبراهيم:” إذا أردنا أن نكرّم مار إلياس حقًّا، فلا يكفي أن نزور مزاره، أو أن نشعل شمعة أمام أيقونته، بل يجب أن نسأل أنفسنا بصدق: هل أترك لله مساحة ليكلّمني في الصّمت؟ هل أجرؤ أن أبتعد قليلًا عن ضجيج هذا العالم لأسمع همسته؟ وهل أريد أن أكون صانع نزاعات أم صانع سلام؟
إنّ العالم لا ينقصه الأقوياء، بل ينقصه القدّيسون. ولا ينقصه أصحاب الأصوات المرتفعة، بل أصحاب القلوب المنفتحة على الله. ولا ينقصه المتكلّمون، بل المنصتون لصوت الرّوح القدس.
فلنطلب بشفاعة النّبيّ العظيم مار إلياس أن يمنحنا الرّبّ قلبًا يصغي أكثر ممّا يتكلّم، ويثق أكثر ممّا يخاف، ويحبّ أكثر ممّا يدين، حتّى نصبح نحن أيضًا شهودًا لله، لا بالنّار الّتي تحرق، بل بالنّور الّذي يهدي، وبالسّلام الّذي يحيي، فتكون حياتنا إنجيلًا يقرأه النّاس قبل أن يقرأوا الكتب، ويروا فيه وجه المسيح الحاضر بيننا، له المجد الآن وكلّ أوان وإلى دهر الدّاهرين. آمين”.



