23 يوليو 2026
لبنان

عوده: تدعونا الكنيسة اليوم إلى أن نصير نحن أيضًا نورًا في هذا العالم وشهودًا للحقّ والمحبّة في آن

في أحد تذكار آباء المجمع المسكونيّ الرّابع الّذي عُقد في خلقيدونية سنة 451، احتفل متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس الياس عوده بالقدّاس الإلهيّ في كاتدرائيّة القدّيس جاورجيوس- وسط بيروت.

وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى عوده عظة قال فيها: “أحبّائي، في الأحد الواقع بين 13 و19 تمّوز تقيم كنيستنا المقدّسة تذكار آباء المجمع المسكونيّ الرّابع المنعقد في مدينة خلقيدونية سنة 451، الّذين أعلنوا أنّ يسوع المسيح، كلمة الله المتجسّد، هو إله كامل وإنسان كامل في طبيعتين، إلهيّة وبشريّة، متّحدتين في شخصه. إنّه اتّحاد معجز تمّ بين الألوهة والنّاسوت يعجز العقل البشريّ عن إدراكه لأنّه سرّ لا يفسّر، لذلك عبّر عنه آباء مجمع خلقيدونية بقولهم “نعترف بربّ واحد يسوع المسيح، هو نفسه كامل في اللّاهوت، وهو نفسه كامل في النّاسوت، إله حقّ وإنسان حقّ… المعروف في طبيعتين بغير اختلاط ولا تغيير ولا انقسام ولا انفصال.”

الكنيسة لا تكرّم الآباء فقط لأنّهم انتصروا في جدال لاهوتيّ، أو لأنّهم صاغوا تعريفًا عقائديًّا، بل لأنّهم تألّقوا بنور المسيح وجعلوا هذا النّور يسطع في العالم عبر تعليمهم وقداستهم وشهادتهم.

عندما قال الرّبّ لتلاميذه: “أنتم نور العالم”، لم يقدّم لهم وصيّةً أخلاقيّةً بل كشف لهم سرّ هويّتهم الجديدة. فالإنسان، منذ السّقوط، جلس “في الظّلمة وظلال الموت” (لو 1: 79)، وأصبح عاجزًا عن رؤية الله وعن معرفة ذاته الحقيقيّة. عندما أتى الإبن الوحيد إلى العالم أشرق “النّور الحقيقيّ الّذي ينير كلّ إنسان آت إلى العالم” (يو 1: 9) وقد صرنا شركاء في هذا النّور الإلهيّ باتّحادنا بالمسيح في المعموديّة والميرون المقدّس والإفخارستيّا. لذلك يقول القدّيس غريغوريوس النّيصصيّ إنّ المسيحيّ هو “من صار بالمشاركة ما هو المسيح بالطّبيعة”. المسيح هو النّور بالطّبيعة أمّا نحن فنصير نورًا بالنّعمة والمشاركة. لذا المسيحيّ مدعوّ أن يعكس في حياته نور وجه المسيح، وأن يصير حضوره في العالم شهادةً حيّةً للحقيقة الإلهيّة.

هذا ما حقّقه آباء المجمع المسكونيّ الرّابع. ففي القرن الخامس لم يكن الخلاف الدّائر حول المسيح مجرّد اختلاف في الألفاظ، بل كان يتعلّق بخلاص الإنسان نفسه. فإن لم يكن الّذي ولد من العذراء مريم هو نفسه ابن الله المتجسّد، وإن لم يكن الّذي مات على الصّليب هو نفسه ربّ المجد، فكيف يمكن للإنسان أن يتألّه؟ وكيف يمكن للطّبيعة البشريّة أن تتجدّد؟

لقد أكّد آباء المجمع الخلقيدونيّ، دحضًا للتّعاليم المنحرفة، أنّ ربّنا يسوع المسيح هو “ابن واحد، وربّ واحد، معروف في طبيعتين، بغير اختلاط ولا تغيّر ولا انقسام ولا انفصال”. لقد حافظ الآباء على التّوازن الإنجيليّ العجيب، حيث المسيح ليس إنسانًا تبنّاه الله، ولا إلهًا ابتلع إنسانيّتنا، بل هو الكلمة المتجسّد، الإله الكامل والإنسان الكامل. لذا، ترتّل الكنيسة في عيد الميلاد: “ميلادك أيّها المسيح إلهنا قد أشرق نور المعرفة للعالم”. التّجسّد في الفكر اللّيتورجيّ الأرثوذكسيّ هو حدث استنارة. لقد أتى الله إلى عالمنا ليبدّد ظلمة الجهل والخطيئة والموت. إنّ خلاصنا ما كان ممكنًا لو لم يكن يسوع إنسانًا حقيقيًّا “جرّب في كلّ شيء مثلنا ما خلا الخطيئة” (عب 4: 15) وإلهًا حقيقيًّا قادرًا أن ينتشلنا منها. لذلك خلاصنا ليس عملّا خارجيًّا أو قانونيًّا بل هو اتّحاد حقيقيّ بالله في المسيح.

كان آباء المجمع الرّابع، بالمعنى الكتابيّ، “مدينةً موضوعةً على جبل”. لقد رفعوا سراج الإيمان كي لا تضيع الكنيسة في ظلمات التّعليم الخاطئ.

غير أنّ الرّبّ لا يتوقّف عند الإيمان الصّحيح، بل ينتقل مباشرةً إلى ثماره قائلًا: “لكي يروا أعمالكم الصّالحة”. الحقّ الّذي لا يتحوّل إلى حياة يبقى عقيمًا. لذلك، يقول الرّسول بولس لتلميذه تيطس: “صادقة هي الكلمة وإيّاها أريد أن تقرّر حتّى يهتمّ الّذين آمنوا بالله في القيام بالأعمال الحسنة” (تي 3) هذا الرّبط بين الإيمان والعمل هو من صميم التّقليد الأرثوذكسيّ. يعلّم القدّيس مكسيموس المعترف أنّ العقيدة والعمل متلازمان، لأنّ “اللّاهوت من دون تطهير هو لاهوت الشّياطين”. الشّياطين تعرف من هو المسيح لكنّها لا تحبّه ولا تشترك في حياته. أمّا المسيحيّ الحقيقيّ فتقوده معرفته بالمسيح إلى التّواضع والتّوبة، ومحبّة الإخوة، وخدمة المحتاجين.

لا يطلب الرّسول من المؤمنين أن يقوموا بأعمال صالحة ليستحقّوا الخلاص، بل لأنّهم قد نالوا الخلاص مجّانًا. ليست الأعمال الحسنة ثمنًا للنّعمة، بل ثمر لها. إنّها إشعاع النّور الّذي استقرّ في قلب الإنسان.

نرتّل في القدّاس الإلهيّ بعد المناولة: “قد نظرنا النّور الحقيقيّ، وأخذنا الرّوح السّماويّ، ووجدنا الإيمان الحقّ”. الكنيسة تربط بين النّور والإيمان الحقّ. الإنسان الّذي يعاين المسيح في الإفخارستيّا يحمله إلى العالم ويشهد له في حياته.

هنا تكمن الرّسالة الّتي يقدّمها لنا آباء المجمع الرّابع. فالخطر الّذي يهدّد الكنيسة ليس الهرطقة العقائديّة فحسب، إنّما أيضًا الانفصال بين العقيدة والحياة. قد نفتخر بأنّنا نحفظ الإيمان المستقيم، لكنّ هذا الإيمان يفقد مصداقيّته إن لم يظهر في سلوكنا اليوميّ. فما نفع الإعتراف بالمسيح إلهًا متجسّدًا إن كنّا لا نرى صورته في الفقير، ولا نخدمه في المتألّم، ولا نقتني تواضعه وطاعته ومحبّته؟

يقول القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ: “لا يكفي أن تكون العقيدة مستقيمةً، بل يجب أن تكون الحياة أيضًا مستقيمةً”. لذلك تدعونا الكنيسة اليوم إلى أن نصير نحن أيضًا نورًا في هذا العالم، وشهودًا للحقّ والمحبّة في آن.

يا أحبّة، يعيش عالمنا اليوم أشكالًا كثيرةً من الظّلمة: الإيمان الشّكليّ والأنانيّة والكبرياء والعنف وفقدان الرّجاء… المؤمن لا يلعن الظّلمة فقط، بل يعكس نور المسيح فيها. الشّمعة لا تجادل الظّلام لكنّها تبدّده بحضورها. فلنصلّ إلى المسيح، نور العالم، كي يحفظنا أمناء للإيمان الرّسوليّ الّذي سلّم لنا، وأن يجعل من حياتنا إنجيلًا حيًّا، شهادةً صاخبةً بالمحبّة والتّواضع والرّحمة والخدمة، ليرى العالم أعمالنا الحسنة ويمجّد الآب السّماويّ، آمين.”