2 يوليو 2026
لبنان

أبناء برعشيت وصفد البطّيخ صلّوا في الرّبوة من أجل السّلام في لبنان والعودة الآمنة إلى قرى الجنوب

رعى بطريرك الرّوم الملكيّين الكاثوليك يوسف العبسيّ وحضر، قدّاسًا في بيت القدّيسة حنّة في الرّبوة بمشاركة أبناء رعيّتي سيّدة الانتقال في برعشيت وصفد البطّيخ، للصّلاة من أجل السّلام في لبنان وعلى نيّة العودة الآمنة إلى قرى الجنوب.

وترأّس القدّاس راعي أبرشيّة صور وتوابعها للرّوم الكاثوليك المتروبوليت جورج إسكندر عاونه فيه كاهن الرّعيّتين الأب سعيد أنطونيوس وكاهن رعيّة صور الأب ريشار فرعون، بحضور حشد من أبناء الرّعيّتين والمؤمنين.

بعد الإنجيل ألقى إسكندر عظة قال فيها: “هناك لحظات لا تحتاج فيها الكنيسة إلى أن تشرح رسالتها كثيرًا، لأنّ الرّسالة تصبح واضحة في باب يفتح، وسقف يعطى، ويد تمتدّ، وصلاة ترافق الخائفين. وهذا ما عشناه في هذه الدّار البطريركيّة طوال أشهر الحرب. فحين ضاقت الطّرق، واتّسعت المخاوف، واضطرّت عائلات من صفد البطّيخ وبرعشيت وصور إلى ترك بيوتها، لم تجد أمامها مؤسّسة تستقبلها فحسب، بل بيت أب يحتضنها، وكنيسة تقول لأبنائها بهدوء: مكانكم محفوظ في قلبي. لذلك نبدأ اليوم من الشّكر. نشكر الله الّذي لم يتركنا في التّجربة. ونشكر صاحب الغبطة، لا بكلام المديح، بل بامتنان الأبناء، لأنّ هذه الدّار صارت، في زمن القلق، مساحة أمان وكرامة ودفء عائليّ. كما أتوجه بكلمة امتنان صادقة إلى الأب غريغوار ساسين، المسؤول عن هذا المركز، الّذي رافق أبناءنا طوال أشهر المحنة بمحبّة وأمانة، وسهر على راحتهم واحتياجاتهم بروح الأب والخادم. وأشكر أيضًا جميع العاملين في المقرّ البطريركيّ، الّذين خدموا بصمت وتفان، وجعلوا من هذه الدّار بيتًا حقيقيًّا لكلّ من قصده. ولا يفوتني أن أتوجّه بالشّكر إلى الآنسة بهية سليمان، ممثّلة وزارة الشّؤون الاجتماعيّة في هذا المركز، على حضورها الدّائم ومتابعتها اليوميّة وحرصها على مواكبة أوضاع العائلات طوال فترة إقامتهم، كما أتوجّه بخالص الامتنان إلى جميع المؤسّسات المانحة والهيئات الدّاعمة الّتي وقفت إلى جانب أبنائنا في هذه المحنة، وساهمت بسخاء في تأمين احتياجاتهم وتعزيز صمودهم. فكلّ يد امتدّت بالمحبّة، وكلّ عطاء قدّم بصمت، كان علامة رجاء أكّدت أنّ الخير يبقى أقوى من الخوف، وأنّ التّضامن يصنع حياة جديدة. وأحيّي بمحبّة الأب سعيد أنطونيوس، كاهن رعيّتي صفد البطّيخ وبرعشيت، والأب ريشار فرعون، اللّذين لم ينقطعا عن أبنائنا في هذا المركز، بل كانا يتفقّدانهم باستمرار، حاملين إليهم كلمة التّعزية والرّجاء، ومؤكّدين لهم أنّ الرّاعي يبقى قريبًا من شعبه أينما وجد”.

أضاف: “في إنجيل اليوم يمرّ يسوع، يرى متّى، ويناديه: “اتبعني”. ثلاث حركات صغيرة، لكنّها تختصر طريقة الله مع الإنسان: يمرّ بقربه، يراه، ثمّ يدعوه. فالرّبّ لا ينظر إلى الإنسان من بعيد، ولا يكتفي بأن يعرف ألمه، بل يقترب منه، ويراه في مكانه، ثمّ يفتح أمامه طريقًا جديدًا. ومن هنا نفهم معنى حضور الكنيسة في أزمنة الشّدّة. فالكنيسة ليست بديلًا عن البيت، لكنّها تذكّر الإنسان بأنّ له بيتًا أعمق. وليست قادرة أن تلغي كلّ خوف، لكنّها تستطيع أن تمنع الخوف من أن يتحوّل إلى وحدة. وليست تملك جوابًا لكلّ سؤال، لكنّها تملك أن تبقى إلى جانب أبنائها، بالصّلاة، والكلمة، واللّقمة، والزّيارة، والاتّصال، والحضور. هكذا كانت الكنيسة معكم في هذه المرحلة. في الرّبوة، فتحت البطريركيّة أبوابها لأبناء صفد البطّيخ وبرعشيت والأبرشيّة. وفي صور، بقيت المطرانيّة حاضرة وسط القلق والتّهديدات، لا بروح التّحدّي، بل بروح الأمانة للمسيح وللإنسان. ومع العائلات الّتي توزّعت في مناطق مختلفة، بقي التّواصل قائمًا، والسّؤال مستمرًّا، وسعينا، على قدر إمكاناتنا، إلى أن تصل المساعدة إلى من يحتاج، وأن تسبقها كلمة الرّجاء والطّمأنينة. وهذه الأمور لا تقال من باب التّباهي، ولا لتسجيل فضل على أحد. فالكنيسة لا تمنّ على أبنائها عندما تخدمهم. والأمّ لا تمنّ على أولادها عندما تفتح لهم بيتها. والرّاعي لا يمنّ على رعيّته عندما يبقى إلى جانبها. إنّما نقول ذلك لنشهد لحقيقة بسيطة: الكنيسة حاضرة، وستبقى حاضرة، لأنّها لا تستطيع أن تكون أمينة للمسيح إلّا إذا بقيت قريبة من الإنسان”.

وتابع: “ثمّ يقول الرّبّ في الإنجيل: “لا يحتاج الأصحّاء إلى طبيب، بل الّذين بهم سوء… إنّي أريد رحمة لا ذبيحة”. هذه الكلمة تشرح كلّ شيء. فالذّبيحة الّتي نرفعها اليوم على هذا المذبح لا تنفصل عن الرّحمة الّتي تعاش خارج المذبح. والصّلاة لا تكتمل إلّا عندما تتحوّل إلى قرب من المتعب، وحماية لكرامة المهجر، ومرافقة لمن ينتظر العودة.  نشكر الله على وقف إطلاق النّار، ونصلّي أن يتحوّل إلى سلام ثابت وحقيقيّ. لكنّنا نعرف أنّ السّلام ليس مجرّد صمت السّلاح. السّلام هو أن يعود الإنسان إلى بيته مطمئنًّا. وأن ينام الطّفل بلا خوف. وأن تفتح القرية أبوابها لأهلها. وأن تعود الأرض مكان حياة لا مصدر قلق. ولهذا لا تزال صلاتنا قائمة: من أجل الّذين عادوا. ومن أجل الّذين ينتظرون العودة. ومن أجل القرى الّتي تحتاج إلى مزيد من الطّمأنينة. ومن أجل الجنوب كلّه، كي ينتقل من زمن الخوف إلى زمن السّلام. وفي صور، كان صمود الكنيسة صمود خدمة لا صمود تحدّ. بقينا لأنّ الحضور أحيانًا يكون أبلغ من الكلام. بقينا لكي تبقى الصّلاة مرفوعة. ولكي يشعر من بقي أنّ الكنيسة إلى جانبه. ولكي يعرف من غادر أنّ بابها سيبقى مفتوحًا يوم يعود. هذه الكلمة هي قلب الرّسالة. لقد مررنا بالخوف، لكنّنا لسنا أبناء الخوف. وتوزّعنا في أماكن كثيرة، لكنّنا لسنا أبناء التّشتّت. وتعبنا من الانتظار، لكنّنا لسنا أبناء اليأس. نحن أبناء الله، والرّوح فينا يصرخ: “أبا، أيّها الآب”. يا أبناء صفد البطّيخ وبرعشيت، أنتم اليوم حول هذا المذبح لا تحملون وجعًا فقط، بل تحملون شهادة. شهادة أنّ البيت قد يترك قسرًا، لكن الجذور لا تقتلع من القلب. وأنّ القرية قد تغيب عن العين، لكنّها تبقى حاضرة في الصّلاة. وأنّ الكنيسة، عندما تكون أمًّا، تعرف كيف تجمع أبناءها من الطّرقات إلى البيت، ومن الخوف إلى الرّجاء. فلنضع اليوم على هذا المذبح بيوتكم، وذكرياتكم، وقلقكم، وشوقكم إلى العودة. إفتح أمام أبنائك طريق العودة الآمنة والكريمة. واحفظ لبنان، والجنوب، وكلّ إنسان ينتظر يوم الطّمأنينة”.

وإختتم: “نسأل الرّبّ، بشفاعة والدة الإله، وسيّدة الانتقال، والقدّيسة حنّة، أن يحفظ صاحب الغبطة، ويبارك كلّ يد خدمت بصمت، ويحفظ أبناء صفد البطّيخ وبرعشيت، ويحمي صور وكلّ قرى الجنوب، ويثبّت السّلام في لبنان، ويردّ كلّ إنسان إلى بيته وقريته بقلب مطمئنّ وكرامة محفوظة”.

بعد القداس، انتقل المشاركون إلى لقاء محبّة في صالون البطريركيّة، حيث تبادل العبسيّ واسكندر والكهنة والمؤمنون التّحيّات، في أجواء شكر ورجاء وصلاة من أجل السّلام والعودة الآمنة إلى قرى الجنوب.