في عيد “أعظم الرّسل” مار بطرس ومار بولس، وقفة عند سيرة حياتهما المليئة بالبطولات وبالفضائل الرّوحيّة، في مقال جديد خادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض، كتب فيه:
“فلنمجّد بطرس وبولس، هذين النّورين العظيمين في الكنيسة، لأنّهما يشرقان أكثر إشراقًا من الشّمس في سماء الإيمان” (صلاة الغروب).
في الكنيسة الأرثوذكسيّة، يُعتبر الرّسول بطرس الأوّل بين الرّسل بفضل سلطته، بينما يُعتبر بولس الأوّل أيضًا بفضل عمله الرّسوليّ. ويُصوَّران معًا في الأيقونات كأعمدة كنيسة المسيح. ولذلك، فإن لقبهما الرّئيسيّ معًا هو “أعظم الرّسل”.
قدّم بطرس وبولس شهادةً حيّةً على إيمانهما باستشهادهما المجيد خلال الاضطهاد الأوّل للمسيحيّين على يد الإمبراطور نيرون، والذي استمر من عام 64 إلى عام 67 ميلاديًّا. كتب الأسقف يوسابيوس القيصريّ (339 م)، أوّل مؤرخ مسيحيّ، ما يلي:
“أوّل من ذكر استشهاد بطرس وبولس في روما كان القدّيس كليمنت الرّومانيّ (88-97) في رسالته إلى أهل كورنثوس. يذكر كاتب القرن الثّاني، ترتليان، أنّ بطرس “صلب” على تلّة الفاتيكان، بينما “قطع رأس” بولس ودُفن في طريق أوستيان “خارج الأسوار”. بحلول منتصف القرن الرّابع، بدأت الكنيسة الرّومانيّة تحتفل بعيد القدّيسين بطرس وبولس في 29 يونيو بـ”احتفالاتٍ عظيمة”.
أعاد الإمبراطوران فالنتينيان الثّاني (توفي عام 392) وثيودوسيوس الكبير (توفي عام 395) بناء كنيسة القدّيس بولس المتواضعة لتضاهي عظمة البازيليكا. في بداية القرن السّادس، عندما بدأت كنيسة القسطنطينيّة في الاحتفال بذكرى القدّيسين بطرس وبولس بوقار كبير. تحتفل الكنائس الشّرقيّة بعيد القدّيسين الرّسولين بطرس وبولس مع الغرب، في 29 يونيو. في اليوم التالي، 30 يونيو، تحتفل الكنيسة الأرثوذكسيّة رسميًّا بذكرى جميع الرّسل الإثني عشر معًا (السنكسيس).
من الرّسول بولس والرّسول بطرس، تلقّينا إيمان المسيح الإله المتجسّد. وهذا هو إيمان الكنيسة، وهذا هو أساسها، وهذا هو تقليدها الذي قبلته الكنيسة، وعاشته، وقدّمته: المسيح الإله المتجسّد حيث أنّنا نجد يسوع المسيح محور حياتنا، يسوع المسيح منظّمها، يسوع المسيح غاية حياتنا، يسوع المسيح بداية حياتنا، يسوع المسيح “الذي يملأ الكلّ في الكلّ” (أفسس ١: ٢٣).
ويتجلّى هذا بشكل رئيسيّ في الصّلاة الرّوحيّة المتواصلة: “أيّها الرب يسوع المسيح، ابن الله، ارحمني أنا الخاطئ”. إذا وضعنا جانبًا رسائل الرّسولين بولس وبطرس ووعظهما، ووضعنا جانبًا عبارة “يا ربّ يسوع المسيح، ابن الله، ارحمني أنا الخاطئ” مع كلّ حياة الأرثوذكسيّة المتمحورة حول المسيح، فسنرى أنّها نفس الإنجيل، نفس الوعظ، نفس التّقليد، نفس الرّوح. لذلك، ولأنّنا نتمتّع بنعمة عظيمة، ليس فقط بأن نكون تلاميذًا للرّسل القدّيسين، بل بأن نعيش نفس روح الرّسل القدّيسين، نفس وعظهم، نفس خبرتهم، نفس نعمة الرّسل القدّيسين بطرس وبولس والإثني عشر، لهذا السّبب لدينا اليوم شركة سرّيّة وداخليّة معهم، وهذه الشّركة هي التي تملأنا بفرح لا يُوصف وابتهاج روحيّ. هذا الفرح الذي قال عنه الرّبّ: “لن ينتزعه أحد منكم” (يوحنا ١٦: ٢٢).
إلى أنّ هناك نقطة مهمّة من حياةِ هؤلاءِ الرّسلِ القدّيسين، نقطةً تُثيرُ إعجابَنا عندما نقرأَ رسائلَهم، عندما نلمسُ حياتهم الكاملةَ وتفانيهم الرّسوليّ؛ وهذه النّقطةُ هي محبَّتُهم، وعبادتُهم، وإخلاصُهم للمسيحِ الإلهِ المُتجسِّد لأنَّ كلَّ شيءٍ بالنّسبةِ لهذين الرّسولينِ القدّيسيَنِ كان المسيحَ، الإبنَ المُتجسِّدَ وكلمَةَ الله. لم يكن لديهما إيمانٌ مُجرَّدٌ باللّه – وهو الإيمانُ الذي كان لديهما قبلَ اعتناقِهما المسيحيّةِ، عندما كانا لا يزالانِ في اليهوديّةِ ولكنَّ ما جعلَهما ركائزَ وأسسَ عظيمةً وفريدةً لكنيسةِ المسيحِ هو إيمانُهما، ومحبَّتهما، وإخلاصُهما، وشغفُهما، ورغبتُهما القلبيّةُ المُحبّةُ للأقنومِ الثّانيِ من الثّالوثِ الأقدسِ، الإبنِ المُتجسِّدِ وكلمَةِ اللهِ، المسيح. كانت حياتهما المسيحَ؛ عاشا المسيحَ، وتنفَّساه. لم يكن لديهما حبٌّ غيرُ المسيح. لم يكن لديهما فكرٌ غيرُ المسيح. امتلكَ المسيحُ قلبَهما وعقلَهما وإرادتَهما وكلَّ إنسانِهما الدّاخليّ.
كانوا مُخلصين للمسيح لدرجة أنّهم قالوا: “لا أحيا أنا، بل المسيح يحيا فيّ” (غلاطية ٢: ٢٠). لقد مرّوا بتجربة، لم تكن نفسيّة، بل بنعمة الرّوح القدس، حيث ماتت أنانيّتهم، وانطفأت، ولم تعد فرديّتهم تسكن فيهم، بل عاش المسيح الإله المتأنّس، ومنه انطلق كلّ شيء، وإليه اتّجه كلّ شيء.
ولأنّ هذه هي طريقة اختبارهم للمسيح، فقد بشّروا به. أعلنوا أنّه “لا يستطيع أحد أن يضع أساسًا آخر غير الذي وُضع، وهو يسوع المسيح” (1 كورنثوس 3: 11). لا يستطيع أحد أن يضع أساسًا آخر ليبني عليه حياته، ومجتمعه، وسلام روحه، أو أيّ خير يبتغيه، إلّا المسيح. هذه كلمات الرّسول بولس. واحد هو الأساس، المتين، الرّاسخ، الأكيد، الثّابت، الأبديّ، يسوع المسيح.
وماذا بشّر الرسول بطرس؟ ما كانت عظته الأولى، عندما نال نعمة الرّوح القدس بعد العنصرة؟ أعلن أنّه “لا يمكن لأحد أن يخلص باسم غير اسم يسوع المسيح” (أعمال الرّسل 4: 12). لا خلاص إلّا باسم يسوع المسيح. ولنتفكر في أنّ من بشّروا بهذه الأمور قد ختموها بدمائهم ومعاناتهم اليوميّة ونضالاتهم وآلامهم واستشهادهم ومعاناتهم في سبيل محبّة المسيح.
وليس هذا فحسب، بل إنّ من آمنوا بالمسيح وأعلنوه مركز الخلاص الوحيد للإنسان والعالم، هم أوّل من اضطهد المسيح، كالرّسول بولس، أو شكّكوا في ألوهيّته، أو ضعف إيمانهم، كالرّسول بطرس. ومع ذلك، فلمّا نالوا النّعمة، عطيّة الرّوح القدس، رسّخوا إيمانهم بالمسيح حتّى لم يعد لهم إلّا المسيح. هذه البشارة بالمسيح، المخلّص الوحيد للإنسان والعالم ومجتمعنا، قد نقلها إلينا الرّسل القدّيسون من خلال كنيستنا المقدّسة.
أظهر لنا الرّسول بطرس أعمق إيمان عندما نزل من السّفينة وذهب إلى يسوع المسيح ماشيًا على أمواج بحر الجليل. فلنذهب نحن أيضًا إلى ابن الله بشجاعة، واثقين من أنّه سيعيننا في كلّ مصاعب الطّريق، كما عاون بطرس الذي أوشك على الغرق.
فلنتعلّم من الرّسول العظيم أن نتوب عن خطايانا بشغف وإصرار كما تاب قبل موته عن خطيئته الفادحة المتمثّلة في إنكار المسيح ثلاث مرّات. فلننحني للرّسول العظيم بطرس ونوجّه أنظارنا الرّوحيّة إلى رسول عظيم آخر، هو الطّوباويّ بولس.
لقد صدمه موت الرّبّ يسوع المسيح على الصّليب، الصّليب المنقوع بدم مخلّص العالم، صدمةً هائلةً جعلته يفقد اهتمامه بالعالم أجمع. شعر وكأنّه مصلوب مع المسيح، وقال: “أمّا أنا، فحاشا لي أن أفتخر إلّا بصليب ربّنا يسوع المسيح، الذي به صُلب العالم لي، وأنا للعالم” (غلاطية 6: 14). لقد استحوذ عليه حب الرّبّ يسوع المسيح تمامًا، حتّى قال: “لا يُزعجني أحدٌ بعد الآن، لأنّي أحمل في جسدي سمات الرّبّ يسوع” (غلاطية 6: 17).
كان موت الرّسولين استشهادًا. صُلب الرّسول بطرس على الصّليب مقلوبًا، وقُطع رأس الرّسول بولس بحدّ السّيف. فما سبب هذه المآثر المجيدة للرّسل، التي من أجلها باركهم العالم أجمع؟ إيمانهم الحيّ ومحبّتهم للمسيح، إيمانٌ اعتبروا فيه كل ما هو أرضيّ نفايةً وفضلاً، وقَدّروا كل ما هو سماويّ تقديرًا لا حدود له، وقَدّروا كلّ كلمةٍ للرّبّ يسوع المسيح تقديرًا لا حدود له، وتمسّكوا بكلّ كلمةٍ منه في قلوبهم، وسعوا بكلّ ما أوصاهم بكلّ ما أوتوا من قوّةٍ لتنفيذ كلّ وصيّةٍ منه؛ قَدّروا كلّ نفسٍ بشريّةٍ تقديرًا لا حدود له، وسعوا بكلّ ما أوتوا من قوةٍ لإنقاذ كل نفسٍ بشريّةٍ من الخطيئة والهلاك الأبديّ؛ إذ كانوا يحملون في ذاكرتهم وقلوبهم كلمات المخلّص: “لأنّ ابن الإنسان جاء ليطلب ويخلص الهالك” (متى ١٨: ١١).”



