نقل أساقفة الكنيسة المارونيّة في الانتشار، خلال زيارتهم إلى قصر بعبدا، دعمهم الكامل لرئيس الجمهوريّة اللّبنانيّة العماد جوزيف عون، وصلواتهم وثقتهم وشعبهم به في المرحلة الدّقيقة الّتي يمرّ به لبنان، شاكرين إيّاه على سعيه من أجل السّلام لكي يمنح لبنان يومًا جديدًا.
الوفد الّذي ضمّ: غريغوري منصور (بروكلين- الولايات المتّحدة الأميركيّة)، إدغار ماضي (البرازيل)، بول مروان تابت (كندا)، يوحنّا حبيب شامية (الأرجنتين)، أنطوان شربل طربيه (أستراليا)، الياس عبد الله زيدان (لوس أنجلوس)، سيمون فضّول (أفريقيا)، بيتر كرم (نائب بطريركيّ زائر رسوليّ على أوروبا)، الإكسرخوس فادي أبو شبل (كولومبيا)، المونسنيور إيلي مخايل (مدبّر رسوليّ في أبرشيّة المكسيك)، والأب كلود ندره (الأمين العامّ لدائرة الأبرشيّات المارونيّة في بلدان الانتشار)، كانت له كلمة ألقاها بإسمه المطران منصور قال فيها بحسب إعلام موقع رئاسة الجمهوريّة اللّبنانيّة:
“فخامة الرّئيس،
بكلّ امتنان، نحن أساقفة الكنيسة المارونيّة في بلاد الانتشار، وبالاتّحاد مع بطريركنا الحبيب الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي، نحيّيكم اليوم. نشكركم على استقبالكم لنا، كما تتكرّمون مشكورين في كلّ عام. منذ أيّام قليلة فقط، كنت أصلّي في مزار سيّدة لبنان في حريصا، وقد قمتم أنتم والسّيّدة الأولى بزيارة مفاجئة إلى المزار. ولأنّكم تذكّرتموني من هذه الزّيارات السّنويّة، وكذلك من مشاركتكم في القدّاس الّذي أقيم في أيلول الماضي في كاتدرائيّتنا المارونية في نيويورك، سألتموني: “ماذا تفعل هنا؟” فأجبت: “إنّني أفعل الشّيء نفسه الّذي تفعله أنت يا فخامة الرّئيس وعقيلتك، لقد جئت إلى هنا لأصلّي من أجل لبنان!”. نعم، نحن نصلّي من أجل هذا الوطن الحبيب، الّذي أنهكته الحروب وتوالت عليه الأزمات، ومع ذلك، وكما لاحظ البابا لاون خلال زيارته الجميلة إلى هنا، لا يزال الشّعب اللّبناني مستعدًّا بشجاعة لمواصلة العمل من أجل السّلام بروح النّعمة والغفران والمحبّة.
في العام الماضي، شاهدنا جميعًا خطابكم الافتتاحيّ أمام مجلس النّوّاب اللّبنانيّ، حيث ألهمتم الأمّة بدعوة إلى الوحدة. ومؤخّرًا، تابعنا مقابلتكم على شبكةCNN ، حيث ألهمتم الأمّة مرّة أخرى، ولكن هذه المرّة بنداء أكثر صعوبة وتحدّيًا. لقد دعوتمونا إلى صنع مستقبل أفضل. وقلتم إنّكم، كرجل عسكريّ، تعلّمتم أنّ “الحرب هي مفاوضات دامية، بينما المفاوضات هي حرب بلا دماء”. ومن هذا المنطلق، شجّعتم جميع الأطراف على التّفاوض، وأكّدتم أنّكم ستبذلون كلّ جهودكم وقوّتكم من أجل تحقيق السّلام. ونأمل أن يجد جميع أصحاب الإرادة الصّالحة في هذه الكلمات دعوة إلى بناء مستقبل أفضل. فمن السّهل جدًّا أن نهدم، ولكن البناء أصعب بكثير. ومن السّهل جدًّا أن نخوض الحروب، ولكن صنع السّلام أصعب بكثير.
فخامة الرّئيس، في كلّ مرّة تمثّلون فيها لبنان مع السّيّدة الأولى، تمنحوننا الأمل بيوم جديد. لقد قال يسوع: “طوبى لصانعي السّلام… وطوبى للجياع والعطاش إلى البرّ.” شكرًا لكم على استقبالكم لنا اليوم، وشكرًا لكم على سعيكم إلى صنع السّلام بكلّ ما أوتيتم من قوّة، لكي تمنحوا لبنان يومًا جديدًا.
فخامة الرّئيس، لكم منّا كامل الدّعم والصّلوات كأساقفة مارونيّين في بلاد الانتشار، ونحن وشعبنا نضع فيكم ثقة كبيرة. نسأل الله أن يبارككم ويبارك السّيّدة الأولى، وأن يبارك لبناننا الحبيب.”
وردّ الرّئيس عون مرحّبًا بالوفد، وشاكرًا لأعضائه حضورهم وقال: “أنتم تمثّلون اللّبنانيّين في بلدان الانتشار لا فئة معيّنة فحسب، وصوتكم مسموع أيضًا لدى الدّول الّتي أنتم فيها. ونشكر صلواتكم ودعواتكم من أجل لبنان واللّبنانيّين على إمتداد العالم، وهم بمثابة الرّافعة للبنان المقيم. وهذا ما يجعل لبنان بحدّ ذاته قادرًا على الوقوف والمضيّ قدمًا على الرّغم من كافّة الصّعاب والتّحدّيات والأزمات.
إنطلاقًا من خبرتي في قيادة الجيش وصولًا الى الموقع الّذي انا فيه اليوم، وهو مسؤوليّة وليس امتيازًا، فلقد أدركت أنّ الحرب لا تؤدّي إلى أيّ نتيجة سوى الخراب والدّمار. وصحيح أنّ طريق السّلام والتّفاوض من أجل بلوغ السّلام قد تبدو طويلة، إنّما أليس الأفضل أن تكون طويلة ومن دون خسائرعلى لبنان وشعبه، من أن تكون قصيرة وكلفتها قاسية كما هي حال الحرب؟ نحن لدينا فرصة. وإتّخذنا القرار لأنّ اللّبنانيّين تعبوا من تسلسل الحروب، ومعاناتهم فيها باتت كبيرة. منذ العام 1969 ما زال لبنان يدفع أثمان حروب الآخرين على أرضه، وصولًا إلى اليوم. وأنا أسأل: هل كان هناك من ضرورة للحرب الّتي حصلت، لكي نعود إلى وقف إطلاق للنّار، مع آلاف الشّهداء والجرحى من أصل أربعة ملايين لبنانيّ، فضلًا عن الدّمار الهائل المقدَّرة قيمته بمليارات الدّولارات؟ نحن نريد وقفًا لإطلاق النّار، بالأمس قبل اليوم، ولكن لم يكن هناك من لزوم لهذه الحرب من الأساس.
لا يجب علينا أن ننسى الماضي كي لا نكرّره في المستقبل. أمامنا اليوم مسار طويل، ورسالتكم أساسيّة في المساعدة على بناء الدّولة، لأنّه كما أكرّر دائمًا، وحدها الدّولة تحمي الجميع، لا الطّوائف ولا الأحزاب. وهذا ما خبرناه منذ زمن. نحن لسنا ضدّ أن تلعب الأحزاب السّياسيّة دورها في المساهمة في بناء الدّولة، هذا بُعد ديمقراطيّ. المرفوض هو أن تدير الأحزاب الدّولة لمصالحها. والمواطنون اليوم، من مختلف الطّوائف والانتماءات، توّاقون أكثر من أيّ وقت مضى لاستعادة دور الدّولة بمؤسّساتها الأمنيّة والإداريّة والقضائيّة. وهذا أيضًا موضع توق لدى اللّبنانيّين في الخارج. وهذه مسؤوليّة مشتركة بيننا جميعًا لنكون يدًا واحدة، لبناء دولتنا مرّة لكلّ المرّات.”
وشدّد الرّئيس عون على أنّ لا خوف على السّلم الأهليّ، “وعلى اللّبنانيّين ألّا يخيفهم هذا الأمر. ومن يهدّد به أصبح ضعيفًا وهو يبغي إخافة الآخر المختلف عنه ليبقى موجودًا. ولكن هناك وعيًا لدى اللّبنانيّين من مختلف الأطياف، وما من أحد يريد العودة إلى ويلات العام 1975 وما استتبعته. والوعي موجود أيضًا لدى أغلبيّة المسؤولين. وبالنّسبة إلينا، فإنّ السّلم الأهليّ خطّ أحمر. والمرحلة المقبلة هي لإعادة بناء الدّولة بكافّة مؤسّساتها إضافة الى إعادة إعمار ما تهدَّم بفعل حرب فُرضت علينا. الدّولة ليست مسؤولة عن هذه الحرب، لكنّها مسؤولة تجاه شعبها لإعادة الإعمار والنّهوض.”
وأكّد رئيس الجمهوريّة “أنّ الأمل كبير بلبنان، ولدينا فرصة لأنّ هناك جيلًا واعيًا يريد لبنان. ونحن نتطلّع إلى أن نؤمِّن هذا المستقبل بتعاونكم ودعمكم. اللّبنانيّ موجود في معظم دول العالم، وهو محترم وفاعل ومؤثّر. وهذا مدعاة فخر. وكما ساهم في نهضة دول عدّة، فهو قادر حكمًا على إعادة إعمار وطنه.” وسأل: “لماذا وصلنا إلى هنا؟ لماذا استجلبنا حروب الآخرين علينا؟ أليس لمصالح هؤلاء الآخرين ولمصالح فئويّة وشخصيّة، لا من أجل مصلحة لبنان. نحن نأمل أن نطوي هذه الصّفحة نهائيًّا.”
ثمّ دار حوار بين الأساقفة أعضاء الوفد ورئيس الجمهوريّة، فأكّدوا “على محبّة وثقة اللّبنانيّين في الإغتراب برؤية فخامتكم للبنان وطريقة إدارتكم الواقع الرّاهن في هذه المرحلة الصّعبة. ونحن كلّنا نشدّ على أيديكم للمضيّ قدمًا لمصلحة لبنان.”
وعن الرّسالة الّتي على الأساقفة ان يحملوها إلى اللّبنانيّين في الانتشار، قال الرّئيس عون: “قولوا لهم: لبنان بلدكم. ومن ليس له بلد لا هويّة له. حافظوا على بلدكم كما إيمانكم بأديانكم. وأيّ قضيّة من دون إيمان، لا يُكتَب لها النّجاح. وحتّى لو بقيتم ألف سنة خارج لبنان، فهو ما يجمعكم. حافظوا على ثقتكم بوطنكم.”
وردًّا على سؤال، أوضح رئيس الجمهوريّة “أنّ التّأكيدات الّتي بلغتنا وما نصِّر عليه هو أنّ لبنان مساره مستقل في المفاوضات، وإن كنّا بالتّأكيد مع وقف إطلاق النّار ومع أيّ دولة تساعدنا، ومن ضمنها إيران. وحده التّدخّل في الشّؤون الدّاخليّة للبنان غير مسموح به. إنّ التّفاوض تقوم به الدّولة اللّبنانيّة والأسبوع المقبل هناك جولة جديدة، نأمل أن تكون إيجابيّة أكثر لاسيّما مع الاهتمام الكبير للإدارة الأميركيّة بلبنان. وما من أحد يأخذ مكانها، وهذا بات موضع قناعة لدى الجميع. الدّولة اللّبنانيّة سيّدة قرارها، ولأوّل مرّة هي الّتي تقوم بالتّفاوض وما من أحد يفاوض عنها. وأطمئن اللّبنانيّين من أنّ لا أحد يربطنا بأيّ دولة أخرى، وأيّ تسوية ستتمّ من خلالنا لا على حسابنا. وهذا ما سنسير به، وهدفنا واضح مهما كانت العوائق، وصاحب الحقّ سلطان. وسنأخذ وطننا إلى مكان جيّد.”
وذكّر رئيس الجمهوريّة “ببعض الأصوات اللّبنانيّة في الخارج الّتي، للأسف، تسمّم الأجواء وتحرَّض ضدّ لبنان”، متسائلًا: “كيف للّبنانيّ في الخارج أن يسير في منحى تدمير لبنان، أو يطلب قطع المساعدات عن الجيش اللّبنانيّ. إلى هؤلاء أقول: كيف تساعدون بذلك لبنان؟ إذا كنتم تحبّونه لا يمكنكم إلّا أن تحبّوا جيشه، وإذا لم تحبّوا جيشه فلا شرف لكم.”



