10 يونيو 2026
أوروبا

“خميرة المجّانيّة” تختصر لقاء االبابا بالمتطوّعين في مدريد

في محطّته الأخيرة في مدريد، وسط أجواء من الفرح والحماسة والتّقدير، التقى البابا لاون الرّابع في عشر بالمتطوّعين والمتطوّعات الّذين استحقّوا منه شكرًا خاصّة لحضورهم ولخدمتهم.

خلال اللّقاء الّذي تمّ في الجناح الثّالث لإيفيميا- مدريد، كان للأب الأقدس تأمّل، اختصاره: “المسيحيّون مدعوّون إلى أن يحملوا إلى العالم خميرة المجّانيّة”، وذلك في كلمة وجّهها إلى الحاضرين قائلًا بحسب إعلام الكرسيّ الرّسوليّ:

“هذا اللّقاء هو اللّقاء الأخير في محطّة مدريد من زيارتي الرّسوليّة، ويسعدني جدًّا أن يكون معكم، أيّها المتطوّعون والمتطوّعات. كلّ واحدٍ منكم وآخرون كثيرون الّذين لم يتمكّنوا أن يكونوا هنا هذا الصّباح تستحقّون “شكرًا” خاصًّا جدًّا، لأنّكم قدّمتم حضوركم وخدمتكم، وعملتم ذلك محبّة للرّبّ يسوع والكنيسة والبابا. أشكركم من كلّ قلبي!

أشكر المتحدِّثَين اللذَين قدّما لنا شهادتَيهما، والّذين أعدّوا الفيديو والعرض الموسيقيّ.

علمتُ أنّ استجابتكم للدّعوة كانت حماسيّة منذ البداية: إذ في غضون أيّام قليلة تجاوزتم الأعداد المطلوبة، وهكذا تمّت تغطية الاحتياجات بشكل كامل. أخذتم إجازات من العمل، وبعضكم كرّس نفسه للعمل بدوام كامل مدّة أشهُر، وأعطى كلّ واحد منكم ما استطاع، مقدّمًا قلبه، ويديه، وأفكاره، ومواهبه، وابتسامته. ليكافئكم الله كما يعلم هو وحده أن يكافئ!

أودّ أن أشارككم تأمّلًا بسيطًا، يمكنني أن ألخّصه على النّحو التّالي: المسيحيّون مدعوّون إلى أن يحملوا إلى العالم خميرة المجّانيّة.

إستخدم يسوع صورة الخميرة في أحد أمثاله عن ملكوت السّموات، كما يروي الإنجيليّ متّى: “مَثَلُ مَلَكوتِ السَّمواتِ كَمَثلِ خَميرةٍ أَخَذَتها امرأَةٌ، فجَعَلتها في ثَلاثَةِ مَكاييلَ مِنَ الدَّقيق حتَّى اختَمَرت كُلُّها” (متّى 13، 33). خبرتكم في هذه الأيّام، مثل خبرة العديد من الإخوة والأخوات المتطوّعين في ظروف مماثلة- أفكّر في يوبيل السّنة الماضية-، هي علامة على الملكوت الآتي، وهي كذلك بسبب جانب أساسيّ، هو المجّانيّة.

المجّانيّة هي خميرة تنمّي الجودة الإنسانيّة والأخلاقيّة والرّوحيّة للمجتمع، إذ يمكننا أن نقول إنّها صفة مميّزة لـ”مدينة الله“. في عالم يتأثّر باستمرار بمنطق المصلحة والرّبح، حيث يُختصر مصطلح ”النّمو“ في البُعد الاقتصاديّ والماليّ، من الضّروريّ أن نفكّر في العيش بحسب المنطق الأصدق، أيّ منطق النّمو الإنسانيّ المتكامل. إنّه منطق الإنجيل الّذي يقول: “وإِن أَحسَنتُم إِلى مَن يُحسِنُ إِلَيكُم، فأَيُّ فَضْلٍ لَكُم؟ لأَنَّ الخاطِئينَ أَنفُسَهُم يَفعَلونَ ذلك. وإِن أقرَضتُم مَن تَرجُونَ أَن تَستَوفوا مِنه، فأَيُّ فَضْلٍ لَكُم؟” (لوقا 6، 33-34).

أيّها الإخوة الأعزّاء، جاء يسوع المسيح ليحمل إلى العالم خميرة ملكوت السّموات، وخلطها بعجينة إنسانيّتنا المريضة ليشفيها من الدّاخل، بماء ودم ذبيحته وبنار روحه القدّوس. وبعد موته وقيامته من بين الأموات، أرسل تلاميذه، بقوّة الرّوح نفسه، ليكونوا في العالم علامات وأدوات لملكوته، ملكوت المحبّة والعدل والسّلام. هذا الأمر يتحقّق بالكرازة، وأيضًا، بل وأكثر من ذلك، بأسلوب حياة، وطريقة تفكير وتصرّف هي طريقة الإنجيل. من السّمات الأساسيّة لهذا الأسلوب هي المجّانيّة الّتي شهدتم لها هذه الأيّام هنا في مدريد. شكرًا! ربّما الإحصاءات لا تسجّل ذلك، لكنّنا نعلم أنّ هذه المدينة، في هذه الأيّام، وبفضلكم أيضًا، نَمَت وصارت أقرب إلى ملكوت الله. هل هذا بفضلنا؟ كلّا! كلّ شيء هو نعمة من الله! هذا هو السّرّ: محبّة الله الّتي تحرّك الشّمس والنّجوم، وتحرّك قلوب الّذين التقوا بـ”الرَّبِّ يسوعَ وقَد قالَ هو نَفْسُه: السَّعادَةُ في العَطاءِ أَعظَمُ مِنها في الأَخْذ” (أعمال الرّسل 20، 35).

أيّها الإخوة والأخوات، لنستمرّ في هذا الطّريق! بتواضع ووداعة، ودون أيّ ادّعاء، بل ثابتين في الإيمان وأسخياء في الخدمة. لتمنحكم سيّدتنا مريم العذراء أن تكونوا خميرة للملكوت دائمًا وفي كلّ مكان. شكرًا! وإلى اللّقاء في روما!”.