10 يونيو 2026
فئات الأخبار لبنان

الرّاعي من بكركي: الميرون وديعة الرّوح القدس وعلامة وحدة الكنيسة عبر الأجيال

بحضور جميع أساقفة الطّائفة المارونيّة من لبنان وبلاد الانتشار، ترأّس البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، مساء الجمعة في الصّرح البطريركيّ في بكركي، رتبة تقديس زيت الميرون الإلهيّ بحسب طقس الكنيسة الأنطاكيّة السّريانيّة المارونيّة، في احتفال ليتورجيّ نادر يعدّ من أبهى وأعمق الرّتب الكنسيّة، لما يحمله من رموز لاهوتيّة تعبّر عن استمراريّة النّعمة الرّسوليّة وعمل الرّوح القدس في الكنيسة.

وقد أتت هذه المبادرة بعد الحلقة الدّراسيّة الّتي أقامها مكتب راعويّة المرأة في الدّائرة البطريركيّة مع د. ثريا بشعلاني. وحمل التّوصية المطران الياس نصّار مع منسّقة المكتب د. ميرنا عبّود المزوّق، وسيّدات المكتب، إلى السّيّد البطريرك. وبذلك كلّف البطريرك لجنة مصغّرة لتحضير الاحتفال العلنيّ. ضمّت اللّجنة إلى المبادرات، سيادة المطرانين الياس نصّار ويوسف سويف رئيس اللّجنة البطريركيّة للشّؤون الطّقسيّة وأعضاء من اللّجنة، وبشكل خاصّ الخوري إيلي سعادة المتخصّص بسرّ الميرون المقدّس.

واستهلّ الاحتفال بترتيلة الدّخول، تلتها كلمة للأب إيلي سعادة شرح فيها بنية الرّتبة ومعانيها الرّوحيّة، مشيرًا إلى أنّ تقديس الميرون يتمّ على المذبح نفسه، لأنّه يرتبط مباشرةً بحضور المسيح وعمل الرّوح القدس في الكنيسة، وأنّ مزج الميرون العتيق بالجديد يرمز إلى تواصل النّعمة المقدّسة من جيل إلى جيل ومن عهد الرّسل حتّى اليوم.

وبعد تلاوة الإنجيل المقدّس، ألقى الرّاعي كلمةً روحيّةً ولاهوتيّةً عميقة، رحّب فيها بالحاضرين، معتبرًا أنّ هذا الاحتفال يشكّل محطّةً مميّزة في حياة الكنيسة المارونيّة.

وأشار إلى أنّها المرّة الأولى الّتي يحتفل فيها بهذه الرّتبة بهذه الصّيغة اللّيتورجيّة الجامعة، بعدما كانت تتمّ سابقًا في إطار محدود، مؤكّدًا أنّ الكنيسة أرادت أن تعيد إلى رتبة تقديس الميرون مكانتها الحقيقيّة داخل الحياة اللّيتورجيّة، لأنّها تعبّر عن الكنيسة مجتمعةً حول بطريركها وأساقفتها، في صورة حيّة لوحدة الجسد الكنسيّ. وشكر سيّدات مكتب راعويّة المرأة على مبادرتهنّ.

وقال إنّ المؤمنين المجتمعين حول البطريرك إنّما يمثّلون الكنيسة بأسرها، حول رأسها المرئيّ، في شركة واحدة مع الأساقفة والرّهبان والرّاهبات، لأنّ الميرون ليس شأنًا يخصّ الإكليروس وحده، بل هو عطيّة تشمل كلّ أبناء الكنيسة.

وتوقّف الرّاعي عند المعنى اللّاهوتيّ للميرون، مذكّرًا بأنّ كلّ مؤمن نال هذا السّرّ منذ طفولته في المعموديّة والتّثبيت، موضحًا أنّ الميرون هو عطيّة الرّوح القدس الّتي تجعل الإنسان ثابتًا في مسيحيّته، وتحمله على عيش ملء الانتماء إلى المسيح.

وأكّد أنّ مواهب الرّوح القدس السّبعة تمنح لكلّ المؤمنين دون تمييز، وأنّ الميرون يرافق كذلك الأسرار والخدمات الكنسيّة، إذ تمسح به أيدي الكهنة عند رسامتهم، فيما يمسح به جبين الأسقف ليكون على مثال المسيح الرّأس والرّاعي والخادم.

وانطلاقًا من إنجيل المرأة الّتي سكبت طيب النّاردين على رأس يسوع في بيت سمعان الأبرص، رأى الرّاعي في هذا المشهد صورةً عميقة لدعوة الكنيسة والرّعاة إلى البذل الكامل.

وأشار إلى أنّ النّاردين الّذي استعمل في الإنجيل هو أحد العناصر الدّاخلة في تركيب الميرون، لافتًا إلى أنّ المرأة لم تحتفظ بأثمن ما لديها، بل كسرته وقدّمته ليسوع، فيما اعترض البعض على ما اعتبروه هدرًا لثمن كبير كان يمكن توزيعه على الفقراء.

وأضاف أنّ يسوع كشف يومها البعد الأعمق لهذا الفعل، حين أعلن أنّها حفظت هذا الطّيب ليوم دفنه، قبل أن يبيّن القبر الفارغ لاحقًا أنّ المسيح القائم لم يعد بحاجة إلى طيب البشر، لأنّه هو نفسه مصدر كلّ قداسة وكلّ عطر روحيّ.

وربط الرّاعي هذا المشهد بالرّياضة الرّوحيّة الّتي يعيشها الأساقفة، داعيًا إلى “كسر قوارير الطّيب” الّتي قد يتعلّق بها الإنسان في حياته، أيّ التّخلّي عن كلّ ما يعيق التّوبة والتّجدّد، طالبًا من المؤمنين الصّلاة من أجل الأساقفة لكي يبقوا منفتحين على عمل الرّوح القدس ومواهبه.

وبعد العظة، انتقل البطريرك الرّاعي إلى السّكريستيا حيث أحضر الميرون العتيق، ثمّ عاد به في تطواف احتفاليّ إلى الكنيسة. وفي قلب الرّتبة تمّ مزج الميرون القديم بالزّيت الجديد وإضافة البلسم إليه، في رمز بليغ إلى استمراريّة النّعمة الرّسوليّة وعدم انقطاعها عبر القرون.

ثمّ رفعت الكنيسة صلوات استدعاء الرّوح القدس ليحلّ على الزّيت الجديد ويقدّسه، قبل أن يعلن البطريرك رسميًّا تقديس الميرون الجديد، الّذي سيوزّع بعد انتهاء أعمال السّينودس على الأساقفة لينقل كلّ منهم هذه البركة إلى أبرشيّته.

وإختتم الاحتفال في بكركي بصورة كنسيّة جامعة أكّدت أنّ الميرون المقدّس ليس مجرّد زيت طقسيّ، بل هو علامة حضور الرّوح القدس في الكنيسة، وختم وحدتها، والجسر الّذي يحمل نعمة المسيح من جيل إلى جيل، ومن الرّسل إلى أبناء الكنيسة اليوم.