في ثاني أيّام زيارته الرّسوليّة إلى إسبانيا، وهي الزّيارة الرّسوليّة الرّابعة للحبر الأعظم منذ بداية حبريّته، ترأّس البابا لاوُن الرّابع عشر صباح اليوم الأحد ٧ حزيران/ يونيو في ساحة سيبيلس في العاصمة مدريد القدّاس الإلهيّ لمناسبة عيد جسد الرّبّ ودمه الأقدسَين.
وبحسب ما أورد فاتيكان نيوز، أعرب البابا في بداية عظته عن سعادته لترؤّسه قدّاس اليوم وأضاف “أنّنا نجتمع حول القربان الأقدس، عطيّة الحضور الحيّ بيننا للمسيح الذي أراد أن يهبنا حياته لندخل في شركة الآب ويجعلنا أبناءه. وهنا، يُشبعنا كخبز حيّ نزل من السّماء بحياة الله ذاتها، بمحبّة أقوى من الموت. إنّ تذكُّر الرّبّ الحاضر في خبز القربان هو في قلب إيمانكم وتاريخ شعبكم. إنّ عيد جسد الرّبّ ودمه الأقدسَين ليس هنا في مدريد، وفي مناطق أخرى في إسبانيا، مجرّد واحد من احتفالات التّقويم اللّيتورجيّ، بل هو عودة إلى جذور الإيمان من أجل تجديد المحبّة والأمانة الله.” وذكَّر بأنّ “التّطواف الاحتفاليّ بهذه المناسبة قد شكّل لقرون من الزّمن التّقوى والفنّ، الموسيقى والعمارة والحياة لشعب إسبانيا، ولا يزال اليوم يُعَبر عن ويُبرز الحسّ الرّوحيّ لهذا البلد وذلك أيضًا من خلال جمال وأناقة أبسطة الزّهور، والمذابح على الطّرقات والعناية بجمال الزّينة والأناشيد. ولا نتحدّث هنا عن مظهر خارجيّ أو استمرار للفلكلور أو حتّى مجرّد زينة جماليّة، بل عن الإيمان بحضور الرّبّ القائم الحيّ والذي لا يزال يمرّ وسطنا، الذي يصير خبزا لجوعنا إلى الحياة، يزور أركان قلبنا وتاريخنا حتّى تلك الأكثر ظلامًا. المسيح إن كان يهب لنا ذاته كغذاء في الاحتفال الإفخارستيّ، فإنّه في التّطواف لا يظل منغلقا داخل معبد، بل يخرج للقائنا. يسوع يسير على الطّرقات، يَعبر الساحات، يزور أحياءنا، يسكن أماكن حياتنا اليوميّة إلهًا قريبًا يسير مع شعبه، ربّ التّاريخ، عزاءً للضّعفاء، نورًا للعائلات، رجاءً لمن هم أكثر هشاشة، سلامًا لمن يعاني. إنّ المسيح الذي يسير خلال التّطواف هو ذاته الذي يتماهى مع الفقراء والمرضى، الوحيدين والمقصيّين. ليس من الصّدفة أنّ الكنيسة هنا في إسبانيا قد وحّدت بين الاحتفال بجسد الرّبّ ودمه ويوم المحبّة.”
وعن التّطواف بالقربان المقدّس قال البابا لاوُن الرّابع عشر “إنّ هذا ليس فعلًا نحمل فيه القربان إلى الخارج، بل نجعل من خلاله أنفسنا بالأحرى نخرج من أنانيّتنا ولامبالاتنا، من إيمان مريح وشخصيّ، كي نجيب على دعوة الله إلى الارتداد، إلى تغيير النّظرة معانقين رجاءه الذي يغيّرنا ويجعلنا بناة عالم جديد. ومن هذا المنطلق فإنّ التّطواف التّاريخيّ بجسد الرّبّ لا يظلّ حبيس تذكُّر يطبعه حنين إلى الماضي، بل يصبح دعوة إلى يومنا، حياتنا الشّخصيّة، علاقاتنا، المجتمع، إلى بناء المستقبل. ومن هذا المنظور علينا فهم الدّعوة إلى التّذكّر التي استمعنا إليها في قراءة اليوم الأولى من سفر تثنية الاشتراع: “واذكر كلّ الطّريق التي سيرك فيها الرّبّ إلهك في البرّيّة هذه السّنين الأربعين”، اذكر كيف أطعمك المنّ حين كنتَ جائعًا. إنّنا نتحدث عن تَذكُّر كي لا ننسى مَن هو الرّبّ، وكي لا نسقط في تجرية الاتّكال على أصنام لنتغذّى على خبز لا يُشبع.”
تحدث البابا لاوُن الرابع عشر هكذا عن رسالة إلى إسبانيا اليوم والغد، “فلَّا تكن التقوى التي تحفز هذا البلد متحفًا للماضي يُزار، بل فلتكن مدرسة إيمان نتعلّم منها اليوم أيضًا، مدرسة تُعَلّمنا أن نركع أمام الله وأمام القريب لأنّ لا أحد يمكنه أن يركع لله ويزدري الأخ، مدرسة تُعَلمنا مجانيّة الخدمة التي تصبح هبة كي تسير بيننا كاسرةً أغلال الأنانيّة، مدرسة نتعلّم منها أنّ الله هو حضور حقيقيّ وأنّنا نحن أيضًا مدعوّون إلى أن نكون حاضرين في أوضاع مجتمعنا وتحدّياته، لا أن نهرب، إلى أن نلتزم بشكل شخصيّ من أجل بناء الخير العامّ.”
وذكّر البابا بالقدّيس مانويل غونزاليس أسقف “بيوت القربان المهجورة” الإسبانيّ، وقال “إنّ حياة هذه القدّيس تُذكِّرنا بأنّ القربان الأقدس لا يمكن أن يكرَّم خلال الاحتفالات الكبيرة فقط أو عند المناسبات، بل وأيضًا في الأمانة الصّامتة لمن يرافق الرّبّ حين يبدو منسيًّا في صداقة متواضعة وهادئة تكبر يومًا بعد يوم.” كما وذكّر بشعر القدّيس يوحنّا الصليب الذي تحدّث فيه عن معرفته الجيّدة لذلك الينبوع الذي يجري حتّى في ظلام اللّيل. إنّ هذا القدّيس وبينما كان سجينًا في ظروف قاسية جدًّا في سجن توليدو (طليطلة) قد تَعَرّف في ظلام هذا السّجن، مع اقتراب عيد جسد الرّبّ ودمه الأقدسَين، على حضور الرّبّ الحيّ الذي منه ينبعث نور لا يعرف غروبًا وتنبع حياة لا تنضب. يسوع القربان الأقدس هو ذلك الينبوع الأبديّ الخفيّ، النّبع الذي يجري ويروي بدون أن يُبهر الأبصار، بدون أن يفرض ذاته بقوّة خارجيّة، بدون الظّهور بشكل استعراضيّ.”
فلنعد إليه بمحبّة صادقة، تابع البابا لاوُن الرابع عشر داعيًا أيضًا إلى “الانفتاح على اللّقاء معه، ولندعه يروي جفاف قلوبنا كي نخرج إلى دروب الحياة والتّاريخ حاملين إلى النّاس مجرى الماء العذب هذا، مجرى المحبّة، السّلام، العدل والفرح. فلنرتوِ مجدَّدا من ينبوع الإفخارستيّا الذي لا يغلقنا في تعبّد شخصيّ، بل يرسلنا لنسقي الأخوة، العائلات، الفقراء، مَن يتألّمون، مَن فقدوا الرّجاء. إنّ نعمة الإفخارستيّا تحوّلنا وتجعلنا أيضًا أبطال تغيير التّاريخ وعلامة رجاء لمن نلتقيهم.”
وإختتم البابا لاوُن الرابع عشر عظته متضرّعًا كي يجعل الرّبّ يسوع الحاضر في القربان الأقدس الجميع خبزًا مكسورًا ومبذولًا ومقدَّما كي تنبثق لهم ولعائلاتهم ولبلدهم حياة مليئة.
وعقب القدّاس الإلهيّ ترأّس قداسة البابا التّطواف التّقليديّ لمناسبة عيد جسد الرّبّ ودمه الأقدسَين. وكان رئيس أساقفة مدريد، وخلال تحيّته الأب الأقدس في بداية القدّاس الإلهيّ، قد ذكّر أنّ تطواف جسد الرّبّ بين يدَي خليفة القدّيس بطرس في شوارع مدريد اليوم سيكون صورة تُذكِّرنا بما تُدعى الكنيسة إلى أن تكون، شعبًا يحمل المسيح إلى حياة الأخوة في الوطن، رفيق درب للمتعبين ورجاءً للجميع. كما وتحدّث رئيس الأساقفة عن أنّنا بالإفخارستيّا نحتفل بكوننا كنيسة وندرك أنّنا شعب وُلد بالمعموديّة، تدعمه الإفخارستيّا مدعوّ إلى السّير وسط العالم نحو المستقبل الذي تدعونا إليه الرّسالة.
وفي عصر الأحد وقبل أن يتوجّه إلى الـ Movistar Arena للمشاركة في اللّقاء الذي حمل عنوان “نسج الرّوابط مع عالم الثّقافة والفن والاقتصاد والرّياضة”، التقى قداسة البابا لاوُن الرّابع عشر بحوالي ٢٢٠ راهبًا من الآباء الأوغسطينيّين من مختلف الجماعات، إلى جانب أعضاء من العائلة الأوغسطينيّة في إسبانيا.
وبعد تحيّة الرّئيس الإقليميّ للرّهبنة، وجّه البابا كلمة للحاضرين عبّر فيها عن امتنانه لهذه الفرصة، مؤكّدًا على أنّ الشّركة ووحدة القلب بين الأوغسطينيّين يمكنهما أن تشكّلا رسالة للعالم في هذه اللّحظة التّاريخيّة. وهي رسالة ينبغي نقلها إلى الشّباب، كتلك الحشود التي التقاها في ساحة “بلازا دي ليما” مساء أمس، والذين عبّروا عن تساؤلاتهم وتوقهم الرّوحيّ. كما أشار البابا، منوّهًا بحضور راهبات الحياة التّأمّليّة، إلى قيمة دعوتهنّ، ليس فقط لإضفاء معنى على العمل الاجتماعيّ، بل أيضًا في وقت يعاني فيه الإنسان من فقدان الصّمت والقدرة على الدّخول إلى أعماق قلبه.
وفي الختام، وقبل أن يودّعهم فردًا فردًا، دعا البابا الحاضرين إلى تلاوة صلاة “الأبانا” معًا، ثم منحهم بركته الرّسوليّة.
وفي إطار زيارته الرّسوليّة التّاريخيّة إلى إسبانيا، شهدت العاصمة مدريد حدثًا استثنائيًّا تجسّدت فيه أبهى صور الحوار الإنسانيّ والرّوحيّ، حيث توجّه قداسة البابا لاوًن الرّابع عشر إلى ملعب “موفيستار أرينا” الشّهير، ليلتقي بحشد غفير يمثّلون عصب المجتمع النّابض من روّاد ومبدعي مجالات الفنّ، الثّقافة، الاقتصاد، والرّياضة.
وقد استُهل اللّقاء بكلمة ترحيبيّة مفعمة بالمحبّة والتّقدير وجّهها رئيس أساقفة مدريد الكاردينال خوسيه كابو كانو، أعرب فيها عن فرحة الكنيسة والشّعب الإسبانيّ بهذه الزّيارة الأبويّة السّامية. وعقب ذلك، اعتلى البابا المنصّة ليوجّه خطابه الرّاعويّ الشّامل إلى المحتشدين والحاضرين في الاستاد، واصفًا هذا الفضاء بأنّه المكان الذي يجمع أعمق المشاعر الإنسانيّة من الفرح، والأمل، وإبداع، ومرحبًا بالجميع قائلًا: “إنّه لمن دواعي سروري أن ألتقي بكم في هذا المكان، وهو فضاء لا يستضيف الأنشطة الرّياضيّة والفّنّيّة والثّقافية فحسب، بل يضمّ أيضًا أعمق المشاعر الإنسانيّة: الفرح والإعجاب، الحماس والأمل، فضلاً عن الحزن والإحباط.
في هذا البلد الرّائع، لا يمكن للمرء إلّا أن يعجب ببصمة الإبداع التي تتخلّل تاريخه وتصيغ هويّته. إنّه جمال مرئيّ في مدنه، وشوارعه، ومعالمه الأثريّة، في ساحاته وحدائقه، في جامعاته وكنائسه، في الموسيقى، والرّسم، والرّقص، وفي فنّ الطّهيّ الخاصّ به. هنا نلمس أيضًا روح الأجيال التي غيّرت المشهد الطّبيعيّ ومنحته وجهًا خاصًّا به، وهذا يكشف لنا في كلّ ملمح عن الذّكاء والإرادة الكامنين في النّفس البشريّة. بعد التّأمّل بعناية في هذه العجائب التي صنعتها الأجيال السّابقة، يطرح حتمًا سؤال يتحدّانا جميعًا: ما هو الإرث الذي نتركه للمستقبل، وبالتّالي، أيّ نوع من المجتمعات نحن بصدد بنائه؟ لقد استمعت باهتمام كبير إلى كلّ مداخلات المتحدّثين، وأنا أتّفق معكم. إنّ مجتمعنا، في الواقع، يمتلك قدرة استثنائيّة على الإنتاج، والابتكار، والتّواصل؛ ومع ذلك، يبدو أنّنا ما زلنا بحاجة إلى تعلّم كيفيّة صون وحماية “روح” ما ينتجه هذا المجتمع. وإلّا، فإنّنا نواجه خطر أن نكون خبراء في وسائل الإعلام وفعّالين في الإنتاج، ولكن غير متيقّنين من السّبب، ولأيّ غرض، ومع مَن ولأجل مَن نُنتج. في هذا السّياق، فإنّ الكنيسة، الواعية لنجاحاتها وأخطائها على حدّ سواء عبر التّاريخ، ترغب في البقاء في حوار مع العالم المعاصر. إنّ الرّغبة في الخير والجمال والحقيقة متجذّرة في الحمض النّوويّ للبشريّة؛ وانطلاقًا من هذا التّطلّع الإنسانيّ العميق ومن خبرتنا الممتدّة لقرون، تقترح الكنيسة مسارات لحياة كريمة وللخير العام. وفي هذا الصّدد، أكّد القدّيس بولس السّادس أمام الأمم المتّحدة أنّه بغض النّظر عن الرّأي الذي قد يحمله المرء تجاه حبر روما، فإنّ رسالته معروفة جيّدًا. وباعتبارها «خبيرتاً في الإنسانية»، فإنّ الكنيسة لا تنفصل عن أيّ شيء إنسانيّ حقًا (راجع: فرح ورجاء، 1).” ولهذا السّبب أضاف الحبر الأعظم يقول “فإنّ «الاستعداد للحوار هو جزء لا يتجزّأ من دعوتها» (الإنسانية الرائعة، 2). واليوم نرى كيف أنّ المسألة الحاسمَة لا تزال هي نفسها: ماذا يعني أن نكون بشرًا حقًّا؟”
تابع البابا لاوُن الرّابع عشر “بالقول تشارك الكنيسة بتواضع ولكن بحزم أيضًا ما اكتشفته في خبرة الإيمان: أنّ يسوع المسيح يجيب على الأسئلة الكبرى حول الحياة البشريّة وملئها، بدءًا من هذا العالم وحتّى ذروتها في الأبديّة. «لهذا السّبب، يظلّ الشّخص البشريّ دائمًا “الطّريق الأوّل والأساسيّ للكنيسة” وقلب كلّ مسار أصيل للتّنمية البشريّة المتكاملة». وبالتّالي، لا يمكن للكنيسة أن تنأى بنفسها عن الثّقافة، لأنّه من خلالها يكون الإنسان، بما هو إنسان، “أكثر وجودًا” (العقيدة الاجتماعية للكنيسة، 554).”
وتابع الأب الأقدس يقول “ولأنّ مصطلح “الثّقافة”(Cultura) يستدعي مفهوم “الزّراعة ” (Coltivazione)، كما يشير الجذر اللّغويّ المشترك بين المصطلحين، فإنّنا مدعوّون لأن نسأل أنفسنا عمّا نزرعه اليوم، وما الذي يزهر وما الذي يذبل بصمت في مجتمعنا؛ ما هي القيم التي نحافظ عليها وتلك التي نتركها تموت. إنّها أسئلة عميقة وضروريّة ولا يمكن تجاهلها. وللإجابة على هذه الأسئلة، هناك حاجة إلى حوار اجتماعيّ يمكننا تشبيهه بفنّ نَسْجِ الشّبكات، وهو فنّ يتطلّب اللّقاء، والإصغاء، والحوار، والاحترام. وفي مختلف مجالات النّشاط البشريّ، يجب أن ننتبه إلى اللّغة المستخدمة: المكتوبة، والشّفهيّة، وفي البيئة الرّقمية، لغة الصّور أيضًا؛ لأنّ التّواصل ليس محايدًا أبدًا. كلّ تعبير يتواصل وينقل رسالة؛ يمكنه أن يجرح أو يداوي، أن يدمّر التّوقّعات أو يفتح آفاقًا جديدة، أن يزرع الانقسام أو يوقظ الأمل في إمكانيّة بناء شيء إنسانيّ أصيل معًا. فنَسْجُ الشّبكات هو إذًا حوار بين المؤسّسات يتركز حول الكرامة الإنسانيّة. وهذا يعني، على سبيل المثال، ألّا تدير الجامعة ظهرها لعالم العمل ولا تتخلّى عن الحقيقة؛ وألّا يرى النّشاط التّجاريّ في الموظف مجرّد عامل بسيط في معادلة مصالحه الخاصّة؛ وألّا يكون الفنّ موجّهًا فقط للنّخبة؛ وألّا تُختزل الرّياضة في مجرّد عرض أو تتحوّل إلى مجرّد تجارة؛ وأن يأخذ التّقدّم التّكنولوجيّ في الاعتبار كبار السّنّ، والفقراء، ومن لا صوت لهم. إنّ مساهمتنا في الحوار، انطلاقًا من رؤية مسيحيّة للحياة، تنبع من الإدراك بأنّ الخالق قد نسج الكائن البشريّ بخيوط من حبّ؛ إذ خُلق على صورة الله ومثاله، والله محبّة (رسالة يوحنا الأولى 4، 8). وهنا يكمن أساس الكرامة الإنسانيّة غير القابلة للتّصرّف، والتي يُشكل احترامها المطلق قاعدة الحوار.
ثانيًا، نَسْجُ الشبكات يعني الإبداع معًا. فقد قال البابا بندكتس السّادس عشر: «الإيمان هو محبّة ولذلك فهو يبدع شعرًا ويبدع موسيقى. الإيمان هو فرح، ولذلك يبدع جمالاً». لقد اختبرنا جميعًا شيئًا جميلاً غيّرنا من الدّاخل: أغنية، قصيدة، كنيسة صامتة، صوت، نظرة، أو حتّى مباراة كرة سلّة مع الأصدقاء. فلا عجب إذن أنّ التّبشير بالبشرى السّارة والوعي بكوننا إخوة يعبّران عن نفسهما في شكل ترانيم “السايتا”(Saeta) خلال الأسبوع الآلام، وفي الشّعر الصّوفيّ والبراعة الأدبيّة لدى كتاب مثل لوبي دي فيغا، أو القدّيسة تيريزا الآفيليّة، أو القدّيس يوحنّا الصّليب، أو كالديرون دي لا باركا، أو في النّثر الرّصين للقدّيس توما الأكوينيّ، الذي ورثنا منه الأناشيد الجميلة لـ “عيد الجسد (Corpus Domini) ” الذي نحتفل به اليوم. كلّ هذا يظهر الرّابط بين ما هو مادّيّ وروحيّ والذي يُشكّل وجودنا.
ثالثًا، نَسْجُ الشّبكات يعني الخدمة الغير مشروطة. وتكشف نظرة موضوعيّة أن رجالاً ونساءً حرّكهم الإيمان قد بنوا مستشفيات ومدارس، وأطلقوا مبادرات تضامنيّة، وتحدّثوا بلغة ترفع من شأن النّاس وتُنبّلهم. ولهذا فمن المشروع أن نسأل بصدق عمّا إذا كان العالم – وأوروبا بشكل خاصّ – سيصيغ هويّته دون البصمة الرّوحيّة التي تخلّلت تاريخه. إنّها ليست دعوة للاستفزاز، بل دعوة للتّأمّل فيما إذا كانت الأبديّة، التي اقتحمت الزّمان والمكان من خلال تجسّد يسوع المسيح، يمكن أن تتصالح مع الحياة اليوميّة. هل من الممكن حقًّا الاعتقاد بأنّ أوروبا – التي نحبّها كثيرًا – ستكون هي نفسها بدون بصمة الإيمان؟ ولماذا الخوف من أنّ تتخلّل الأبديّة تفاصيل الحياة اليوميّة؟ إنّ صرخة أسلافي لا تزال حيّة: لا تخافوا! افتحوا الأبواب مشرّعة للمسيح! إنّ يسوع المسيح لا يأخذ منّا شيئًا بل يمنحنا كلّ شيء.
أودّ أن أسأل نفسي بصوت عالٍ: مَن الذي يتمّ استبعاده رغم فضائله وقدراته؟ لا يمكننا أن نتجاهل أنّ وضع الفقراء يمثّل صرخة تتحدّى باستمرار، في تاريخ البشريّة، حياتنا ومجتمعاتنا وأنظمتنا السّياسيّة والاقتصاديّة والكنيسة نفسها. إنّ المسيح في الواقع يعيد للخير العام المكانة التي تليق به كحَكَم حكيم يهدّئ جشع البعض ويغذّي أمل الآخرين، في حين يرغب في خلاصهم جميعًا. إنّ هذه الكنيسة، الخبيرة في الإنسانيّة، حتّى وإن سارت أحيانًا عكس التّيّار، تصرّ على أن «الهياكل الاقتصاديّة والمؤسّسيّة تكون عادلة فقط بقدر ما تخدم التّنمية المتكاملة للشّخص البشريّ وتعزز المشاركة المسؤولة للجميع» (الإنسانية الرائعة، 34).
إسمحوا لي أخيرًا أن أوجّه انتباهكم إلى عالم لا يخفى عليكم أنّه ليس غريبًا عنّي: عالم الرّياضة. لنتذكّر كم منّا تعلّم احترام الخصم على أرض الملعب بدلاً من تعلّمه عبر الاستماع إلى خطاب. كم من الرياضيّين يعلموننا كيف نخسر دون كراهية، وكيف نربح دون إذلال، أو كيف ننهض بعد السّقوط. وفي هذا الصّدد، قال القديس يوحنّا بولس الثّاني، بصفته رياضيًّا وراعيًا: «في هذه الأوقات، التي تميل فيها للأسف أشكال مختلفة من العنف وبالتّالي الكراهية بشكل مشؤوم إلى تمزيق نسيج التّضامن الاجتماعيّ، فإنّكم [أيّها الرّياضيّون] تساهمون، من جانبكم، في تقديم شهادة مضيئة على التّماسك والسّلام والاتّحاد، وباختصار، على “معرفة كيفيّة العيش معًا”». إنّ هذه العبارات هي أكثر حداثة وملاءمة اليوم ممّا كانت عليه عندما دوّت للمرة الأولى”.
وإختتم بالقول :أيّها الأصدقاء الأعزّاء، أدعوكم إذن لتكونوا خيوطًا جديدة لنَسْجِ شبكات جديدة تناغم بين جميع مجالات الحياة، لنسج مجتمع متجدّد يتشبّع فيه الزّمان بالأبديّة، وتصون فيه الثّقافة الذّاكرة وتعزز الحوار، ويروّج فيه التّعليم للبحث عن الحقيقة بروح نقديّة، ويثير فيه الفنّ الدّهشة ويولّد مشاعر نبيلة، وتعترف فيه الشّركات بكرامة الشّخص البشريّ، ويستمرّ فيه العمل كمحرك للأمل.”
ودعا البابا في نهاية كلمته “لنصبح خيوطًا جديدة متّبعين نصيحة القدّيس بولس: «افرَحوا معَ الفرِحينَ واَبكوا معَ الباكينَ. كونوا مُتَّفِقينَ بَعضُكُم معَ بَعضٍ. لا تتَكبَّروا، بل مالِؤوا الوَضيعينَ. لا تَحسَبوا أنفُسَكُم حُكماءَ. لا تُجازوا أحَدًا عَنْ شَرٍّ بِشَرٍّ. واَجتَهِدوا في أنْ تَعمَلوا الصّالِـحَ أمامَ جَميعِ النّاسِ. سالِموا جَميعَ النّاسِ إنْ أمكَنَ، على قَدرِ طاقَتِكُم» (روما 12، 15-18). لأنّ الرّهان في كلّ هذا هو أن تستمرّ إنسانيّتنا الرّائعة في التّألّق مستقبلاً. شكرًا لكم!”





